54
الجزء ٥ · صفحة ٢٢﴿ وإذا جاءكَ الَّذينَ يؤمنُون بآياتنا ﴾ هم هؤلاء الضعفاء المؤمنون الذين نهى رسول الله A عن طردهم ، فقل : سلام عليكم ، قال خبَّاب بن الأرتّ : لما نزلت : ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ كنا إذا أتينا النبى A قال : ﴿ سلام عليكم ﴾ ولفظه خبر ، ومعناه دعا لهم بالسلامة من عذاب الدنيا والآخرة ، ويجوز أن يكون خبرا لفظا ومعنى بمعنى سلام عليكم أى قد ذكرهم الله بخير ، أو سلمكم من عذاب الآخرة ، كذلك قال عكرمة : نزلت فى الذين نهى الله نبيه A عن طردهم ، فكان A إذا رآهم بدأهم بالسلام ، وقال عكرمة : نزلت فى أبى بكر وعمر ، وعثمان وعلى ، وبلال وسالم بن أبى عبيدة ، ومصعب بن عمير ، وحمزة وجعفر ، وعثمان بن مظعون ، وعمار بن ياسر ، والأرقم بن أبى الأرقم ، وأبى سلمة ابن عبد الأسد .
وقيل : إن قوماً جاءوا إلى النبى A فقالوا : إنا أصبنا ذنوباً عظاماً ، فلم يرد عليهم شيئاً فنزلت ، وقيل : إن الآية على إطلاقها فى كل مؤمن ، وهو أنسب بما شهر وأجمعوا عليه أن السورة نزلت جملة ، فكيف يقال : كان كذا فنزل فيه من سورة الأنعام كذا ، اللهم إلا أن يقال : نزل جبريل بتلاوة الآية فى شأن كذا ، ونزل بتلاوتها فى شأن كذا ، يذكره A ويقول له : احكم بما فيه فى شأن كذا ، ولم ينزل بها لتكتب مرة أخرى وتتلى مكررة ، بل كفى نزولها مرة واحدة أولا ، ومن قال بعمومها أبو العالية ، قال خالد بن دينار : كنا إذا دخلنا على أبى العالية قال : ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا ﴾ الآية بتأويلها عامة فكان يستعملها مع أصحابه .
﴿ كتَبَ ربُّكم عَلى نَفْسه الرَّحْمة ﴾ وعد لكم الرحمة فى الأزل ولا تتخلف كما يجب أن لا يترك أحد ما فرض عليه ، والله أوفى من وعد ، ولا يخلف الميعاد ، والرحمة فضل منه ، ولا واجب عليه ، فشبه وعده بما فرض فقال : ﴿ كتب ربكم على نفسه ﴾ وقيل كتب فى اللوح المحفوظ ، وهذا من كلام الله الذى أمر رسوله أن يقوله لهم ، كأنه قيل : فقل سلام عليكم ، وقل كتب ربكم على نفسه الرحمة ، وقيل قوله : ﴿ كتب ربكم ﴾ إلخ ليس من مقول قل ، بل كلام مستأنف من الله ، خاطب به المؤمنين ، ونفس الله ذاته الواجب الوجود ، الذى ليس بجسم ، كما أنه ليس بعرض ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ .
﴿ أنه مَن عَملَ منْكُم سوءًا بجهالةٍ ﴾ بفتح الهمزة على أن المصدر من جملة خبرها وهو اسم الشرط ، وجملة الشرط والجواب بدل من الرحمة ، وذلك قراءة نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب ، وقرأ الباقون بكسر الهمزة على الاستئناف ، والهاء فى أنه ضمير الشأن ، والمراد بالجهالة فعل الجهل ، فإن شأن المحرم لا يفعله إلا من لم يعلم بتحريمه ، أى عمل منكم سوءاً ، أى ذنباً بفعل الجهالة ، ففى هذا التقدير يكون الباء للتصوير ، صور عمل السوء بفعل الوارد بالجهالة الاقتراف الذى لا يجوز ، والسء مطلق ما لا يحسن بقطع النظر عن كونه ذنباً ، فيعلم أنه ذنب من قوله : ﴿ بجهالة ﴾ وسواء كان الاقتراف مع عدم العلم بالتحريم ، أو مع العلم به ، فمن الأولى ما مر عن عمر رضى الله عنه من أنه قال لرسول الله A : لو فعلت ذلك حتى ننظر ، أو أراد بالجهالة جهل ما يتبعه من المفاسد الدينية فى الدنيا .