59
الجزء ٥ · صفحة ٢٩﴿ وعنْدَه مَفاتح الغَيْب ﴾ جمع مفتح بكسر الميم وفتح التاء بلا ألف بعدها ، وقيل : يجوز أن يكون جمع مفتاح بالألف ، قلبت ياء فى الجمع وحذفت تخفيفا وهو خلاف الأصل ، وقرئ مفاتيح بالياء جمع مفتاح بالألف ، وترك الألف هو الأفصح ، والمراد بالفاتح والمفاتيح ما يفتح به الباب ، ومفرداما أسماء آلة ، وقراءة المفاتيح بالياء دلت أن المراد بالمفاتح بلا ياء جمع آلة الفتح ، والمعنى أن عنده لا عند غيره أمر المغيبات ، يخرجها ويظهرها إذا شاء ، لأنه عالم بها ، مالك لها ، كمن عندم مفتاح البيت إذا شاء فتحه وأخرج مما فيه ، ولكن ليست الآية فى العطاء ، بل فى أنه تعالى يعلم الغيب ، فتكون تقريراً لقوله : ﴿ والله أعلم بالظالمين ﴾ ولكن تحتمل أن تكون فى العطاء بمعنى أن عنده مفاتح الغيب ، إذا شاء أعطى من الغيب ، فعنده رزق هؤلاء الضعفاء المسلمين ، وسيفيض عليهم المال ، شبه الغيب بالخزائن المستوثق منها بالأقفال ، ولم يذكر المشبه به فرمز إلى التشبيه بذكر لازمه ، وهو آلة الفتح ، ويجوز أن يكون المفاتح بلا ياء جمع بفتح الميم والتاء بلا ألف وهو المخزن ، قال السدى مفاتح الغيب خزائن الغيب .
﴿ لا يعْلَمها إلاَّ هو ﴾ قال ابن عباس وابن عمر يرفعان الحديث إلى رسول الله A : إشارة بمفاتح الغيب التى لا يعلمها إلا هو إلى الخمسة التى فى آخر لقمان ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ الآية ، قال موسى بن على ، عن أبيه : كنت عند عمرو بن العاص بالإسكندرية ، وقال لهُ رجل : زعم قسطال هذه المدينة أن القمر يكسف به الليلة ، وقال رجل : كذب ، هذا ما ظننت أنكم تعلمون ما فى الأرض ، فكيف تعلمون ما فى السماء ، فقال عمرو بن العاص : إن الله يقول : ﴿ إن الله عنده علم الساعة ﴾ الآية ، وما سوى هذا يعلمه قوم ويجهله آخرون ، وفى رواية عن ابن عباس خزائن غيب السموات والأرض من الأقدار والأرزاق ، وقال الضحاك ومقاتل : مفاتح الغيب خزائن الأرض ، وعلم نزول العذاب ، وقال عطاء : هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب ، وقيل : انقضاء الأجل ، وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتم أعمالها ، وقيل : هو علم مالم يكن أيكون أم لا يكون ، وعلم ما لا يكون كيف يكون لو كان يكون ، قال ابن مسعود رضى الله عنه : أوتى نبيكم A كل شئ إلا مفاتح الغيب ، والآية نص فى أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها .
﴿ ويعْلَم ما فى البرِّ والبَحْر ﴾ أى يعلم الغيب كما تشاهدون من البر والبحر ، وأل فى البر والبحر للاستغراق ، والبحر الماء المغرق مطلقاً ، والمراد هنا البحر المحيط والبحار الصغار والنيل ودجلة وغيرهما ، وعن مجاهد البر المفاوز والقفاز ، والبحر القرى والأمصار ، ويعلم ما فيها من كلام وأصوات وخواطر قلوب ، وكل ما فيها ، وما يدث فيها من أجسام وأعراض ، والصحيح الأول وعليه الجمهور .