159
الجزء ٥ · صفحة ٢٠٧﴿ إنَّ الذينَ فرَّقُوا دِينَهم ﴾ أى الذين يجب أن يتبعوه فينسبوا إليه كلهم آمنوا ببعض وكفروا ببعض ، فكانوا فرقا بسبب تفريقهم الدِّين ، أو المعنى اختلفوا فى دينهم ، قال A : « افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها فى الهاوية » وروى : « فى النار وكذا فيما بعد إلا واحدة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها فى الهاوية إلا واحدة ، وستفترق أمتى على ثلاث وسبعين فرقة كلها فى الهاوية إلا واحدة وهى التى على ما أنا وأصحابى عليه »
ويروى « سيخرج من أمتى قوم تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله الهوى » أى يجرى معهم الأهواء لتفارقهم كالكلب لا يفارق صاحبه ، فالآية فى أهل الكتاب أو سائر المشركين وأهل البدع من هذه الأمة ، وقال الحسن فى المشركين : بعضهم عبدوا الأصنام وقالوا : شفعاؤنا عند الله ، وبعضهم عبدوا الملائكة وقالوا : إنهم بنات الله ، وبعضهم عبدوا الكواكب ، وقال مجاهد : اليهود ، وقال ابن عباس وقتادة والسدى والضحاك : اليهود والنصارى ، وقال أبو هريرة : هم أهل الضلالة من هذه الأمة رواه مرفوعا إلى رسول الله A ، قال : قال رسول الله A : « الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم فى شئ ، وليسوا منك ، هم أهل البدع ، وأهل الشبهات وأهل الضلال من هذه الأمة » والآية حث للأئمة على أن تجتمع على كلمة الحق .
وقال عمر : قال رسول الله A لعائشة رضى الله عنها : « إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا هم أصحاب البدع والأهواء من هذه الأمة » وقرئ : فارقوا دينهم ، لأن من ترك بعض دينه فقد فارقه كله إلا كل شئ ذاهب منه بعضه بيتين وهى قراءة حمزة والكسائى ، وبمفارقته يكونون أيضا قد فرقوا .
﴿ وكانُوا شِيعاً ﴾ جمع شيعة كل شيعة تتبع إمامها أى تتبعه والشيعة الجماعة المتبعة لآخر ﴿ لسْتَ منْهُم فى شئٍ ﴾ أنت برئ منهم وهم براء منك ، فكيف يتصل متبع الآباء والأهواء بمن يتبع البرهان من الله جل وعلا ، ومنهم متعلق بمحذوف خبر ليس ، وفى شئ يتعلق بذلك المحذوف أو يمنعهم لنيابته عنه ، ولا تستبعد هذا ، وقد عرفت أن الظروف ترفع الفاعل إذا تعمدت ، وشئ نكرة فى سياق السلب ، فهى تعم بالنص ولو لم تكن فيها من الاستغراقية أو بالمبادرة لعدم من فشى يعلم السؤال عنهم وعن تفرقهم وعن عقابهم والشفاعة للفسقة منهم ، فالآية نص أو كالنص فى أن لا شفاعة لأهل الكبائر ، أى أنت برئ منهم على كل وجه .
وقد علمت فى رواية عمر وأبى هريرة أن الآية فى أهل البدع من هذه الأمة ، وكذا قالت أم سلمة رضى الله عنها زوج النبى A ، وكذا إذا كانت فيهم وفيهن لا شفاعة لهم بالإجماع ، وهم المشركون أهل الكتاب أو غيرهم ، وإن قيل : هى فيمن لا شفاعة له بالإجماع ، فاللفظ عام والعبرة بعمومه ، والعلة التفرق فليدر معها الحكم ، وقيل : المعنى لا تقاتلوا المشركين فننسخ بآية القتال وهو ضعيف .