144
الجزء ٥ · صفحة ١٧٥﴿ ومِنَ الإبِل اثْنيْن ﴾ جملا وناقة ﴿ ومِنَ البَقَر اثْنيْن ﴾ ذكراً وأنثى ﴿ قُلْ آالذَّكريْن ﴾ ذكر الإبل وذكر البقر ﴿ حَرَّمَ ﴾ أى أحرم الذكرين فقط ﴿ أم الأُنثَيَيْن ﴾ فقط أنثى الإبل وأنثى البقر ، وأنت خبير أن الأنثيين فى الموضعين جاء على معنى الحصر ، إذ عطف على المحصور فيه وأريد فيه الحصر ، ولو تأخر إذ عطف على محصور فيه للتقديم ولا حصر فى أمَّا اشتملت الخ ، لأن فيه الذكر والأنثى جميعا ، من النوعين وكذا فى قوله : ﴿ أمَّا اشْتَملت عليْه أرْحام الأنْثَيَيْنِ ﴾ أنثى الإبل وأنثى البقر ، أى أم حرم ما فى رحم الناقة من ناقة وجمل ، وحرم ما فى رحم البقرة من ذكر وأنثى ، لا تجدون الله حرم شيئا من ذلك ، سواء أكان على حال ما تحرمون أم لم يكن ، ولا حجة عقل صحيح ، بل الله أمر بالانتفاع بذلك كما حد وأمر بالشفقة على ذلك كله وعلى غيره ، ونهى عن مجاوزة الحد فيه بقدر ما لا تطيق ، وعن تعذيبها ، وشق أذنها ، تعذيب بلا فائدة ، وإهمالها إضرار لها ، فقد تجوع أو تعطش ، ولا تهتدى إلى مرعى أو ماء ، كما قال فى عدم دليل من الله على جواز ذلك .
﴿ أمْ كُنتُم شُهداءَ إذ وصَّاكم اللهُ بهَذا ﴾ بهذا الذى تفعلونه من تحريم بعض الإبل والبقر ، وهذا نظير قوله : ﴿ نبئونى بعلم إن كنتم صادقين ﴾ والتحريم فى الموضعين شاهد للتحريم المطلق ، وللتحريم على النساء فقط ، على حسب ما مر من التفصيل فى تحريمهم ، وأم فى هذا الأخير وحده بمعنى بل وهمزة الإنكار ، أى بل كنتم شهداء أى حاضرين حين وصى الله بتحريم بعض الإبل والبقر ، فإن الحجة العقلية الصحيحة غير موجودة فى ذلك ، ولا وحى لكم فى ذلك ، بل قد أنكرتم الوحى فلم يبق إلا شاهدة التوصية من الله ، ولا توصية بذلك من الله .
ولقد فرغت وسعى فى إيضاح الآية وهو ما رأيت ووافقت فيه بعض ما قيل قبلى ، والحمد لله ، ومحصل ذلك أن الله D قال : من أين لكم ، إنما تجعلون الشئ به بحيرة أو وصيلة أو نحو ذلك ، وما تجعلونه نصيبا للأصنام حرام لا حجة لكم فى ذلك ، وزاد الفخر وجهاً آخر وهو أن الأنعام أربعة كما ذكر الله ، فلم خصصتم البحيرة والوصيلة والسائبة والحامى بالإبل ، أو هذا على القول بأنهم جعلوا ذلك الإبل فقط .
وأما ما ذكروا من أن مالك بن عوف الجشمى وهو خطيبهم قال : يا محمد بلغنا أنك تحرم أشياء كان أباؤنا يفعلونها؟ فقال له A : « قد حرمتم أصنافاً من النعم على غير أصل وإنما خلق الله الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها فمن أين جاء هذا التحريم؟ مِنْ قِبَل الذكر أم من قبل الأنثى؟ »