148
الجزء ٥ · صفحة ١٨٥﴿ سيقُولُ الَّذينَ أشْركوا ﴾ مشركو قريش والعرب ﴿ لو شَاءَ اللهُ ﴾ أن لا نشرك نحن وآباؤنا ولا نحرم شيئا ﴿ ما أشْرَكْنا ولا آباؤنا ﴾ شيئا بالله تعالى ، وعطف آباؤنا على الضمير المرفوع المتصل لفصله بلا ﴿ ولا حَرَّمْنا ﴾ نحن وهم ، فهذا الضمير لهم ولآبائهم ﴿ مِنْ شئٍ ﴾ أى شيئا كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامى .
ووجه احتجاجهم اغترارهم بC بالإمهال فقالوا : لو كان الله ما شاء إشراكنا وتحريمنا لم يمهلنا ، بل يعجل بإهلاكنا ، فالمشيئة فى هذا الوجه فى كلامهم بمعنى الإباحة ، ويجوز أن يكون وجه احتجاجهم أنهم جعلوا قضاء الله إجباراً وسلبوا عن أنفسهم الاختيار ، أى هو الذى قضى علينا بالإشراك والتحريم ، فكيف تخرج عما قضاه علينا؟ فهم فى هذا الوجه قدرية إجبار لما أشركنا وحرمنا علمنا أن الله أجبرنا على ذلك ، ولو شاء الله أن يجبرنا على ترك الإشراك والتحريم لفعل فلم نشرك ولم نحرم فلا عقاب علينا ، أو إنَّا على حق لا على باطل ، ولو كنا على باطل لأزالنا عنه ، فهذه الآية رد على المجبرة المشركين وغير المشركين كالمعتزلة .
والجواب : ان الله شاء كفر الكافرين ومعصيتهم بمعنى قضاها وخلقها ، وفعلوا هم باختيارهم ، ولولا ذلك لما أمر ونهى بالوحى والكتب والأنبياء والرسل ، وأثاب وعاقب ومدح وذم ، وكلهم يقرون بذلك فى الجملة ، ولو أنكر المشركون القرآن والله تعالى مريد لجميع الكائنات ، وشاء لها ولا عذر لأحد فى إرادة الله تعالى ومشيئته ، وإنما قدرت مفعول شرط أو من جنس الجواب ، لأن ذلك هو الغالب فيها ، ولم أحتج إلى تقديره بالرضا مع ذلك لما علمت من أن شاء فى كلامهم بمعنى أباح وهو نفس الرضا ، أو من أنهم يثبتون المشيئة بمعنى الإجبار ، والله D عاب عليهم ما زعموا من ذلك ، فتحمل من عيبه إياهم على ذلك أنه لم يبح الإشراك والتحريم ، أو لم يشأهما مشيئة إجبار .
وبعد ما قررت الآية رأيت بعضا قدر لو شاء الله أن لا نشرك ولا نحرم مع رضاه بعدم الإشراك والتحريم ، ولا حاجة لذلك ، لأن ما ذكرته غنى عنه ، ولا ينافى عدم إمكان تفسير المشيئة بالإباحة فى قوله تعالى : ﴿ ولو شاء لهداكم أجمعين ﴾ تفسيرها هنا بالإباحة ، لأن آية الأنعام هذه من كلامهم لا من كلامه تعالى ، ولو قال قائل : لو شاء الله ما فعلت كذا من المعصية والطاعة ، بمعنى لو قضى عليه بذلك لم يخرج عما قضى ، بل ييسر لما قضى عليه باختياره لكان مدحاً لله تعالى ، وحقا واجباً ، ومما يرد به عليهم أن يقال لهم : إنكم تحجون وتفعلون بعض مكارم الأخلاق ، وتحبون أن يمدحكم الله على ذلك ويثيبكم فى الدنيا ، وتتقربون إليه بالأصنام ، وتقولون تقربنا إلى الله زلفى ، فإن كان ما فعلتم ، من ذلك إجباراً من الله فلا مدح لكم ، ولا يثيبكم فى الدنيا ، كما لا يثيبكم فى الآخرة ، وأنتم أنكرتموها ، وإن لم يكن إجباراً منه فكيف تقولون : إن الله أجبركم على الشر ولا يجبر على الخير .