154
الجزء ٥ · صفحة ١٩٧﴿ ثم آتيْنا مُوسَى الكِتَاب ﴾ عطف على وصَّاكم وثم ، إما بمعنى الواو مجازاً للمقيد فى المطلق ، وإما باقية على التراخى ، وفيه وجهان : الأول : أن التراخى باعتبار الإخبار أى وبعد ذلك أخبركم أنا أتينا موسى .
والثانى : تراخى الرتبة ، أى ذلك وصاكم به قديما وحديثا من لدن آدم ، وأعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب متضمنا لتصديقك فيما قلت يا محمد من ذلك وغيره ، ويجوز أن يكون للتراخى الزمانى ، وفيه وجهان :
الوجه الأول : أن بعطف قول ناصب لقوله : ﴿ آتينا موسى ﴾ إلى ﴿ يؤمنون ﴾ بثم على قل من قوله : ﴿ قل تعالوا ﴾ أى ثم قل عنَّا يا محمد آتينا موسى ، وإنما قدرت القول للطول ، ولك أن لا تقدره بل تعطف ما بعد ثم على محكى القول الأول .
الوجه الثانى : أن يجعل الخطاب فى وصَّاكم لبنى آدم مطلق كلهم وآدم ، أو لمن فى زمان النبى A ، على أن تكون توصيتهم على عهد آدم عليه السلام فى جملة من وصى على ما مرّ من أن ذلك كله مما وصى به آدم وأولاده إلى يوم القيامة ، فتكون التوصية به متقدمة من لدن آدم ، وآتينا موسى الكتاب متأخر الزمان متراخ .
وأغرب من قال معطوف له إسحاق قبل انتصاف السورة والكتاب التوراة .
﴿ تماماً ﴾ مفعول من أجله وهو اسم مصدر ، ومعناه الإتمام وفاعل الإتمام هو الله تعالى فيتحدد فاعله وفاعل ناصبه وهو الفاعل فى آتينا ، ولو جعلناه بظاهره صدر تم الثلاثى ، لكان فاعله الكتاب ، أو مصدر مفعول مطلق أى تم الكتاب تماما ، أو حال من الكتاب أى ذا تمام أو تاما أو هو نفس التمام مبالغة أو اسم مصدر حال من ن ، أى ذوى تمام أو متمين أو هو مفعول مطلق لآتينان لأن إيتاء موسى الكتاب إتمام .
﴿ على الَّذى أحْسَن ﴾ أى عليه ، أى على موسى ، فوضع الظاهر وهو الذى موضع الضمير ليصفه بالإحسان ، أى أحسن فى قوله واعتقاده وعمله وتبليغه الرسالة .
وقال مجاهد : الذى للجنس كأنه قيل : على من أحسن ، أو الفريق الذى أحسن ، ويدل له قراءة ابن مسعود : على الذين أحسنوا أى إتماما للكرامة على موسى ، أو على كل من أحسن فى عمله من قومه ، أو مطلقا مَنْ ، ويجوز وقوع الذى على العلم ، فالرابط محذوف لا الضمير المستتر فى هذا الوجه ، أى على العلم الذى أحسنه ، أى أجاده ، أى زيادة على علمه بالشرائع ، وقيل : ألذى حرف مصدر ، أى على إحسان موسى ، أو على إحسان الله ، ولا نسلم مصدرية الذى ، وقرأ يحيى بن يعمر : أحسنُ بالرفع ، فيكون اسم تفضيل خبر المحذوف ، وهو صدر صلة حذف صدر صلة ، غير أنى بلا طول على القلة ، أى الذى هو أحسن ، والذى فى هذا الوجه واقع على الذين ، أو على الوجه ، فيكون تماماً على الذين الذى هو احسن ، أو تاماً على الوجه الذى هو أحسن ما تكون عليه الكتب ، وهذا الأخير هو معنى قول الكلبى : أتم له الكتاب على أحسنه وتفضيل دين موسى أو كتابه إنما هو بالنسبة إلى غير سيدنا محمد A ، بل دين الأنبياء كلهم دين الإسلام .