149
الجزء ٥ · صفحة ١٨٧﴿ قُلْ ﴾ يا محمد قد تبين أنه لا حجة لكم ولا علم ﴿ فَللَّهِ الحجةُ البالِغةُ ﴾ فالعطف على ما قدرت من قولى قد تبين ، ويجوز العطف على ﴿ إن أنت إلا تخرصون ﴾ وقدره بعض : قل أنتم لا حجة لكم فلله الحجة البالغة ، ويجوز العطف على : ﴿ هل عندكم من علم ﴾ لأنه لا علم لكم ، وقيل : جواب لمحذوف ، أى إن كان الأمر كما زعمتم من أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلله الحجة البالغة .
ومعنى الحجة البالغة الدليل البالغ غاية القوة ، أو يبلغ به صاحبه دعواه من الحج بمعنى القصد ، كأنها تقصد إثبات الحكم وتطلبه ، قاله القاضى وهى بالرسل والكتب والعقل ، وذلك أنهم ادعوا الإجبار بالقضاء من الله ، وأنهم لا يطيقون الترك ، أو أنه أباح لهم ما يدعون ، والله سبحانه حجته قاطعة لذلك ، لأنه خلق لهم قوة الجوارح والعقل ، ومكنهم من إدراك الحق والعمل به ، فلا إجبار والعقل يوجب أن الله جل وعلا لم يبح لهم ذلك ، وأفعال الخلق كلها واقعة على وفق قضائه تعالى ومشيئته ، فليس مغلوبا فى المعصية ، لأنه لم يجبرهم على الطاعة وعلى المعصية فيعصى مغلوبا ، وليس من الحكمة الإجبار لإبطاله حكمة التكليف ، فلله الحجة عليهم لا لهم ، فالتقديم للحصر لا حجة لهم عليه لا بالغة ولا غير بالغة ، وهذا النعت للمدح لا للاحتراز والتقييد ، لأن حجة الله عليها بالغة ، وإن قلنا : الحجة البالغة لما نصبت له فهى له وحده ، لأن لهم حجة لا تبلغ دعواهم ، فيكون النعت للتقييد .
﴿ فلو شَاءَ ﴾ هدايتكم ﴿ لهدَاكُم ﴾ بالتوفيق ﴿ أجْمعينَ ﴾ لا بالإجبار إذ ليس من الحكمة ، ولكن أراد خذلان قوم وتوفيق آخرين ، ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها .