51
الجزء ١ · صفحة ٣٠٨﴿ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ : مائلون عن الصواب إذ عبدتم ما ليس أهلا للعبادة ، أو ناقصوا الحض لأنفسكم إذ تعرضتم لهلاكها بعبادته لما أنجى الله سبحانه وتعالى موسى وقومه ، وأغرق فرعون وقومه ، ولم يكن لموسى وقومه كتاب ينتهون إليه . وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة ، فقال لقومه : إنى ذاهب إلى ميقات ربى لآتيكم بكتاب فيه ما تأتون وما تذرون .
ويروى أنه قال : إن الله سينجيكم من آل فرعون وتنفعكم حليهم ، وينزل عليكم كتاباً . فلما أنجرز الله وعده بانجائهم وأخذهم الحلى طلبوه بما وعد هم من الكتاب ، فخرج لميقات ربه ووعدهم أربعين ليلة ، واستخلف عليهم أخاه هارون ، وجاء جبريل راكباً فرسا يقال له فرس الحياة ، لا يصيب شيئاً إلا حيى ، فذهب للميقات فرآه السامرى وكان صائغاً اسمه ميخا ، وقال ابن عباس : موسى بن ظفر ، وكان من أهل كرمان ، ولميل من بنى إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة ، وكان مشركاً فى الباطن وأظهر الإسلام وهو الصحيح . وقد قيل إنه ابن خال موسى ، وكان من قوم يعبدون البقر ، كان يعجبه ذلك ، وقيل لما مر بعد مجاورة البحر على قوم يعبدون البقر كما قال الله تعالى : ﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ وكان على صور البقر ، فقال بنو إسرائيل لموسى : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة ، فاغتنم السامرى مقالتهم ليفتنهم بعبادة العجل ، فلما رأى موضع حافر الفرس يخضر فى الحال قال : إن لهذا شأناً ، فأخذ من تحت حافره تراباً ، وذلك حين جاء جبريل ليذهب بموسى للميقات ، وقيل : حين دخل البحر خلف قوم موسى ، وقيل : أنكر هيئته فعرف أنه ملك حين دخل البحر ، وقيل : عرفه من حيث ولدته أمه عام الذَّبح فأطبقت عليه أمه فى غار فوكله الله أن يغذوه بأصبع نفسه ، أعنى بأصبع السامرى ، فيجد فى أصبع لبناً وفى أصبع عسلاً وفى أصبع سمناً ، وألقى فى روعه أنه لا يلقى ذلك التراب فى شىء ، وما قال له : كن كذا إلا كان ، ولا يلقيه على ميت إلا حيى ، ولما مضى موسى لميقات وقد وعدهم أربعين ليلة حسبوا عشرين يوماً وعشرية ليلة ، فقالوا هذه أربعون من الدهر وقد أخلفنا موسى الوعد ، وبدأ تعنتهم وخلافهم ، فقال لهم السامرى : إنما بأيديكم من حلى القب غنيمة لا تحل لكم فاحفروا حفيرة فادفنوها فيها حتى يرجع موسى ويرى فيها رأيه ، وقيل أمرهم هارون بذلك ، وقيل قال السامرى : أحضروه لتأكله النار التى كانت تأكل القرابين ، وقيل : أوقد ناراً وأمرهم بطرح ذلك فيها فطرحوا . وعلى كل قول لما اجتمع ألقى فيه التراب الذى أخذه وقال : كن عجلا ، وصححه بعض ونسبه للأكثر وقيل : إنهُ صاغه عجلا فى ثلاثة أيام ، ورصعه بالجوهر ، وألقى فيه التراب وخاره خوره . والصحيح تعدد الخوار منهُ كما يتبادر من قوله عز وعلا :