51
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩﴿ له خوار ﴾ قيل : كان يخور ويمشى وجسمه باق ذهباً وجوهراً ، ونسبه بعض للجمهور وصححه ، وقيل : صار لحماً ودماً ، وبه قال الحسن بن أبى الحسين ، وكل ذلك بقدرة الله سبحانهُ وتعالى ، وعبدت طائفة ذلك العجل واعتزلهم هارون بمن معه ، وقال لهم السامرى : هذا إلهكم وإله موسى ، فنسى أى تركه هنا غفلة عنه وخرج يطلبه .
وروى أنهُ لما مضى عشرون يوماً عدوا أربعين بالليالى ، ولم يرجع موسى فوقعوا فى الفتنة ، وقيل : وعدهم موسى ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم فى تلك العشرة لما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى ، ظنوا أنه قد مات ، ورأوا العجل فسمعوا قول السامرى وعكف عليه ثمانية آلاف رجل يعبدونهُ ، وقيل : عبدوه كلهم إلا هارون مع اثنى عشر ألف رجل قيل ، وهذا أصح .
ويروى أنهم لما جاوزوا البحر قالوا : يا موسى آتنا بكتاب من عند ربنا كما وعدتنا ، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر ، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لينطلقوا معه ، فلما تجهزوا قال الله لموسى : أخبر قومك أنك لن تأتيهم إلى أربعين ليلة قد أتممناها بعشر ، وقال الحسن : كانت أرعين وأول يقول واعدنا موسى ثلاثين ليلة وبعدها عشر ، وهذا معنى قوله : ﴿ وأتممناها بعشر ﴾ كقوله : ﴿ فصِيَامُ ثلاثةِ أيَّامٍ فى الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَعْتُم تلْكَ عَشَرَة كَامِلَةٌ ﴾ قال الكلبى : لما خرج بالسبعين أمرهم أن ينتظروه فى أسفل الجبل ، وصعد موسى الجبل فكلمهُ ربهُ وكتب له فى الألواح ، ثم إن بنى إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة ، وقالوا : قد أخلفنا موسى الوعد ، وجعل لهم الوعد وجعل لهم السامرى العجل فقال : هذا إلهكم وإلهُ موسى فعبدوه . قال الكلبى : بلغنى والله أعلم أن الله قال عند ذلك : يا موسى إن قومك قد عبدوا من بعدك عجلا جسداً لهُ خوار ، فرجع موسى إلى قومه ومعهُ السبعون ولم يخبرهم موسى بما أحدث بنو إسرائيل ، فلما غشى موسى محلة القوم سمعوا اللغط حول العجل ، فقال السبعون : هذا قتال فى الحلة ، فقال موسى : ليس بقتال ولكنه صوت الفتنة ، فدخل موسى فنظر ما يصنع بنو إسرائل حول العجل ، فغضب فألقى الألواح فانكسرت وارتفع ما فيها إلا سبعة ﴿ فأخذ برأس أخيه يجره إليه ، فقال لهُ يا ابن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى ﴾ فأرسله موسى وأقبل على السامرى فقال : ما خطبك يا سامرى؟ ولم صنعت ما أرى؟ قال : بصرت بما لم تبصروا به ، يعنى بنى إسرائيل . قال : وما الذى بصرت به؟ قال : رأيت جبريل على فرس وألقى فى نفسى أن أقبض من أثره قبضة ، فلما ألقيت عليه منها شيئاً كان له روح ودم ، فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهاً ، فكذلك سولت لى نفسى أن أصنع إلهاً ، ثم ألقى عليه القبضة فيصير ربا لبنى إسرائيل فيعبدوه بين ظهرانيهم ، فغضب موسى فأمره أن يخرج من محلة بنى إسرائيل ولا يخالطهم فى شيء ، فأمر بالعجل فذبح ثم أحرقه بالنار ، فمن قرأها لنحرقنه باسكان الحاء يريد بالنار ، ومن قرأ بالفتح والتشديد فبالنار أو بالمبرد والأول أحسن فيما قيل ، لأن الحريق للذهب الذى لا تأكله النار آية عيبجة لموسى ، لكي لا تناسب ما مر من صيرورته دماً ولحماً ، ولعله برد لحمه وعظمه بالمبرد .