61
الجزء ١ · صفحة ٣٣٤وفوِّموا أى كلوه أو اعملوه .
﴿ وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ﴾ : كانوا قوماً فلاحين أهل زراعات فمالوا إلى ما اعتادوه من الأشياء المتفاوتة واشتهوه كالبقول والحبوب ، وذكروا عيشاً كان لهم بمصر وملوا ما كانوا فيه من النعمة وتعرضوا لزوالها . ويحتمل أن يكون طلبهم للبقل والقثاء والفوم والعدس كناية عن طلب الخروج من التيه إلى القرى ، لأن ذلك فيها موجود فغرضهم القرى لا هذه الأطعمة لأنها تقوى شهوة الطعام ، ولأنهم قد اعتادوها وملو ما هم فيه من الطعام الواحد ، وكأنهم قالوا ذلك على تمام أربعين سنة أو على قرب تمامها بدليل جواب موسى لهم اهبطوا إذ أجابهم بالخروج .
﴿ قَالَ ﴾ : قال موسى أو الله .
﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى ﴾ : لذته قليلة من نسبة إلى غيره ، والهمزة للتوبيخ وإنكار كون استبدالهم صواباً والسين والتاء للطلب ، وأدنى اسم تفضيل من دنا يدنوا ، بمعنى قرب قرباً حسيا فى المكان ، استعير لما قرب قرباً معنويا وهو ما لذته قليلة بالنسبة ، كما استعير البعد فى الشرف المعنوى فيقال ذلك مشاراً به للقريب حسا الشريف ، وفلان بعيد الهمة بعيد المحل ، وأصل ذلك أن الشئ الردئ لا يصان ولا يمنع من تناول الأيدى ، ويلقى حيث أمكن ، والشريف يصان ويجعل حيث لا ينال هذا ما ظهر لى وهو إن شاء الله أحسن من أن يقال مأخوذ من الدون مقلوب أدون بمعنى أحط . ومن قول الأخفش : أصلهُ أدناء بالهمزة بعد النون خففت بقلبها ألفاً من الأناءة بمعنى الخسة . ويقوى قول الأخفش قراءة زهير القرقبى : أدنأ بالهمزة بعد النون لكن الأصل عدم ادعاء القلب .
﴿ بِالَّذِى هُوَ خَيْرٌ ﴾ : أفضل فى اللذة والنفع وعدم التعب والعلاج ، والأدنى هو البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل ، والخير المن والسلوى . أى أتأخذون الأدنى بدل الأشرف؟ وخير اسم تفضيل وأدنى بمعنى دنى وخير بمعنى فاضل ، فهما خارجان عن معنى التفضيل طلبوا ذلك فأبوا أن يرجعوا عنه ، فدعا موسى الله ، فقال الله تعالى :
﴿ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ﴾ : فيهِ .
﴿ مَا سَأَلْتُمْ ﴾ : مما تنبت الأرض ، أو قال موسى ذلك بأمر الله وافق سؤالهم ذلك ، أو أن الخروج من التيه ودعاء موسى لا ينافى ذلك ، لأنه لا مانع من أن يدعو فى ما قد ضمنه الله لهُ وحان أجله ، بل الدعاء فيه أفضل ، لأنه تذكر للنعمة وشكر لها ، وكذا سؤالهم لا يمنع منه أنهم قد علموا بأن الأجل قد حان ، ومن لم يعلم وسأل ذلك فلا إشكال عليه ، ومعنى اهبطوا انزلوا ، يقال هبط الواى إذا نزل به ، وهبط منه إذا خرج ، فمصراً مفعولاً به أو منصوباً على التشبيه بالمفعول به ، أو منصوب على نزع الخافض أى إلى مصر أو فى مصر أى انحدروا إليه من التيه ، قيل بلاد التيه ما بين المقدس إلى قنسرين اثنى عشر فرسخاً طولا وثمانية عرضاً وقرئ بضم باء اهبطوا ، والمراد بقوله مصراً مصر من الأمصار ، أىّ مصر أرادوا .