هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

61

الجزء ١ · صفحة ٣٣٥

قال مجاهد وغيره أراد مصراً من الأمصار غير معين ، ويدل له ما فى القرآن من أمرهم بدخول القرية وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه ، ويدل له التنوين أيضاً فإنه أليق بعموم المصر ، وهو قراءة الجمهور وهو البلد العظيم . وأصله الحد بين الشيئين ، وقال الحسن والكلبى : هو مصر هذه أعنى مصر النيل أعنى التى مرساها من البحر المالح الإسكندرية ومن النيل بلاق ، وتسلمى الآن القاهرة وهى مصر يوسف وفرعون ، وهى التى خرجوا منها أى ارجعوا إلى البلد الذى كان فيه عذابكم واستعبادكم وأسركم ، فإن لكم فيه ما سألتم .

قال الكلبى : فكرهوا وهذا يدل أنهم سألوا ذلك قبل أوان قرب الخروج فلم يخرجوا حتى تمت أربعون سنة ، وعبارة الشيخ هود . وقال بعضهم : كأن خروجهم إلى مصر هذه بأمر الله . . انتهت . وإن قلت كيف صح أن يقال هو مصر هذه مع أنه منون؟ قلت : لما سكن وسطه جاز صرفه لخفته بالسكون فخرج عن ثقل الفعل فصرف ، ولو وجدت فيه علتا المنع من الصرف وهما التأنيث والعلمية ، ووجه تأنيثه أنه علم على البلدة العظيمة أو القرية العظيمة أو البقعة أو الأصل الصرف ، فرجع إليه بأدنى سبب وهو الخفى فخفته بالسكون عادلت إحدى العلتين الموجبتين لثقله المانع من تنوينه ، فكأنه قد زالت إحداهما فقبل الصرف والعلم المؤنث الثلاثى الساكن الوسط المجرد من التاء مشهور بجواز الصرف وعدمه ، كهند ، بل أوجب بعضهم صرفه إذا كان علماً على بلدة ، لأن اسم البلد لا يطلق على غيره فى الغالب ، فلم يكثر استعماله فلم يحتج إلى تخفيف بمنع الصرف ، ويجوز أن يقال صرف لكونه بمعنى البلد أو مصر مخصوص من الأمصار ، فلم يوجد التأنيث فبقيت علة واحدة ، وقرأ عبد الله بن مسعود والأعمش مصر بغير تنوين ، وكذا فى مصحف ابن مسعود وهو ما يدل على أن المرا مصر فرعون المخصوص ، واستدل له أيضاً بما فى القرآن من أن الله تعالى أورث بنى إسرائيل ديار آل فرعون . وقال الطبرى : الأظهر أنهم لم يرجعوا إليها مذ خرجوا منها ، وجمهور القراء يقرءون بتنوين مصر ، وجمهور النحاة على اختيار منع الصرف فى الثلاثى العلم المؤنث الساكن الوسط ، وقيل المراد مصراييم بألف وياءين بعده وهو عجمى ، فعرب بحذف الألف واليائين ، فإنما صرف لكونه بعد الحذف ثلاثياً ساكن الوسط ، فلم تؤثر فيه العجمة وكونه علماً على المصر المخصوص المذكور .

﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ﴾ : أى جعلت لازمة لهم لا تفارقهم كما يضرب الطين بالحائط فيلزمه ويلتزق به ، وكلزوم الدرهم المضروب لسكته ، أو أحيطت بهم كإحاطة القبة بمن ضربت عليه ، فيجوز أن تكون الذلة مشبهة فى إحاطتها بهم بالقبة من بناء أو جلد أو نحوهما تشبيهاً مكنياً عنه دل عليه لازم المشبه به وهو الضرب عليهم ، أو شبهها بالطين فى الالتزاق كذلك ، وعلى الوجهين ضربت استعارة تبعية تحقيقية تصريحية استعيرت لإثبات الذلة عليهم .

٣٣٥ / ٧٬٦٨٠