هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

73

الجزء ١ · صفحة ٣٦٦

« انظروا ما صنع البر » وقال ابن عباس ، ووهب بن منبه : كان فى بنى إسرائيل رجل صالح له ابن صغير ، وكانت لهُ عِجْلة فأتى بها إلى موضع الماء والشجر ، وقال : اللهم إنى استودعتك هذه العجلة لابنى حتى يكبر ، فمات الرجل فشبت العجلة حتى صارت عواناً ، وكانت تهرب ممن يرومها ، وكان الابن باراً بوالدته ، فلما كبر كان يقسم الليل ثلاثة : يصلى ثلثاً ، ويجلس عند رأس أمه ثلثاً ، وينام ثلثاً ، فإذا أصبح انطلق يحتطب على ظهره ، فيأت السوق فيبيعه بما شاء الله فيتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى أمه ثلثه ، فقالت لهُ أمه يوماً : يا بنى إن أباك ورثك عجلة وذهب بها إلى موضع كذا ، واستودعها الله فانطلق إليها ، وادع الله أن يردها إليك وإن علامتها إذا نظرت إليها أن يتخيل إليك أن بها شعاع الشمس يخرج من جلدها ، وكانت تسمى المذهبة لحسن لونها وصفائها وصفرة لونها ، فأتى الموضع فرآها ترعى فصاح عليها فقال : أعزم عليك بالله ، ورُوِى بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ، فأقبلت تمشى حتى وقعت بين يديه فقبض على عنقها وقادها ، فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى ، وقالت : أيها البار بوالدته اركبنى فإن ذلك أهون عليك ، قال الفتى : إن أمى لم تأمرنى بذلك ، ولكن قالت لى خذ بعنقها ، فقالت البقرة : وإله موسى وإله بنى إسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر على أبداً ، فانطلق فإنك لو أشرت إلى الجبل أن ينقلع من أصله فينطلق معك لفعل ببرِّك بوالدتك . فانطلق الفتى بها فاستقبله عدو الله إبليس فى صورة راع ، فقال : أيها الفتى إنى راع من رعاة البقر اشتقت إلى أهلى فأخذت ثوراً من ثيرانى وحملت عليه زادى حتى إذا بلغت شطر الطريق ذهبت لأقضى حاجتى ، فتعدى وصعد إلى الجبل وما قدرت عليه ، وإنى لأخشى على نفسى الهلكة فإن رأيت أن تحملنى على بقرتك وتنجينى من الموت ، وأعطيك أجرتها بقرتين مثل بقرتك ، فلم يفعل الفتى وقال : اذهب وتوكل ، فلو علم منك الصدق لبلغتك بلا زاد ولا راحلة ، فقال إبليس لعنة الله ، إن شئت بعينها وإن شئت فاحملنى وأعطيك عشرة مثلها ، فقال الفتى : إن أمى لم تأمرنى بهذا . فبينما الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يديه ، ونفرت البقرة هاربة من الفتى ، وغاب الراعى فدعاها الفتى باسم إله إبراهيم فرجعت البقرة إليه ، وقالت : أيها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذى طار؟ قال : نعم . قالت : إنه إبليس لعنه الله اختلسنى ، فلما دعوت بإله إبراهم جاء ملك فانتزعنى منه وردنى إليك لبرك بأمك وطاعتك لها ، فجاء بها الفتى إلى أمهِ ، فقالت له أمه : إنك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل ، فانطلق وبع هذه البقرة وخذ ثمنها ، فقال : بكم أبيعها؟ فقلت : ثلاثة دنانير ، فانطلق بها الفتى إلى السوق ، فبعث الله تعالى ملكاً ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بأمه ، فقال له : بع هذه البقرة لى فباعها بثلاثة دنانير على رضا أمه .

٣٦٦ / ٧٬٦٨٠