68
الجزء ٨ · صفحة ٣٩٣﴿ قَالُوا حَرِّقُوهُ ﴾ أى إبراهيم لما عليهم بالحجة أرادوا إحراقه . وهكذا المبطل ، إذا أدحضت شبهته بالحجة وافتضح ، لم يكن أحد أبغض إليه من المحق ، ولم يبق له مفزع إلا معاداته ، كما فعلت قريش برسول الله A ، حين أعجزهم ، وقائل ذلك هو نمرود .
وقال ابن عمر : رجل من الأكراد ، من فارس ، من باديتهم ، وهو عجمى .
قال شعيب الجمان : اسمه هرز وهو قول ابن عباس .
وقيل : نمرود بن لوش .
وقيل : هينون ، وخسف الله به الأرض ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة ونسب القول إليهم ، إما حكما على المجموع ، وإما لرضاهم قول القائل وأتباعه ، أو لقولهم تبعًا لقوله ، فالكل قال ، لكن بعض قال أصالة ، وبعض تبعا ، واختاروا العقاب بالنار لأنها أهول ما يعاقب به وأفظعه ولذلك لا يعذب بالنار إلا خالقها كما قال .
﴿ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ أى ناصرين لها نصراً مؤزَّرا ، وإلا كنتم مقصرين فى حقها .
قال الثعلبى فى عرائس القرآن : لما عزم نمرود وقومه على إحراق إبراهيم ، حبسوه فى بيت ، وبنوا له بنيانا كالحظيرة ، فى قرية تسمى « كوثى » بثاء مثلثة ، من العراق ويقال لها : حرة السواد ، وبها وُلد ، ثم جمعوا له الحطب من أصناف الخشب ، حتى إن المرأة تمرض وتقول : لئن عوفيتُ لأجمعن حطبا لإبراهيم . وكانت المرأة تنذر إن أدركتْ ما تطلب لتجمعن له حطبا ، وكذلك الرجل ويفعلون ذلك احتسابا ، وتغزل المرأة ، وتشترى الحطب بغزلها .
وكانوا يوصون بشراء الحطب ، حتى إن الشيخ الكبير الفانى الذى لم يخرج زمانا يجئ بالحطب ، ويلقيه تقربا إلى آلهتهم .
قال ابن إسحاق : كانوا يجمعون الحطب شهرا ، وجمعا كثيرا ، فأشعلوا النار فى كل ناحية ، فاشتد التهابها ، حتى إن الطائر يمر بالهواء فيحترق .
قيل : أوقدت سبعة أيام ، ثم أرادوا إلقاءه فيها ، ولم يتمكنوا منه لشدة الحريق ، فجاء إبليس فى صورة شيخ فقال : أنا أدلكم على صنعة آلة يلقى بها ، فعلمهم صنعة بالمنجنيق ، وهو أول ما صنع ، فوضعوه مقيدا مفعولا فى المنجنيق .
وقيل : رفع إلى رأس البنيان وقيد ، وصنع المنجنيق ، وأمسكوا المنجنيق ، فقبضت الملائكة على أستاره . فقال لهم إبليس : إيتوا بالنساء منكشفات ، ينكشفن للرجال ، ففعلوا . وصاحت السموات والأرض ، من الملائكة والدواب إلا الإنس والجن صيحة واحدة : يا ربنا إبراهيم حليلك ليس فى الأرض أحد يعبدك غيره ، يحرق فيك . فائْذَن لنا فى نصرته .
فقال لهم تبارك وتعالى : إن استغاث بشئ منكم أو دعاء فلينصره ، فقد أذنت له ، وإن لم يدْع غيرى فأنا أعلم به ، وأنا وليُّه . فخلوا بينى وبينه .
فلما أرادوا إلقاء ، أتاه مَلَك المياه فقال : إن أردت أخمدت النار ، فإن خزائن المياه والأمطار بيدى .