هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

62

الجزء ٨ · صفحة ٣٨٧

﴿ قَالُوا أأنْتَ ﴾ بتحقيق الهمزتين ، وإبدال الثانية ألفا وتسهيلها وإدخال ألف بين المسهلة والأخرى وتركه . وأنت مبتدأ خبره ما بعده ، أو فاعل لمحذوف مدلول عليه بما بعده ، وهو عندهم أولى .

والأصل : أفعلت . ولما حذف الفعل انفصل الضمير .

﴿ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ ﴾ : لا .

﴿ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾ غضباً أن تعبد معه هذه الأصنام التى دونه وليس - عليه السلام - مريدا حقيقة هذا الكلام ، ولكنه أراد أنه ما فعل ذلك إلا أن يبكنهم تعريضا لا تصريحا ، وهو أبلغ ، كما لو فعلت فعلا حسنا ، وقد اشتهرت بحسن ذلك الفعل ، وقال لك من لا يفعل مثله أصلا ، أو يفعله ولا يحسنه : أأنت فعلت هذا؟ فتقول له : بل فعلتَه أنت . فإنَّ قصْدك بهذا الجواب تقرير الفعل لنفسك ، ونفيه عنه ، مع الاستهزاء به وهذا قصد إبراهيم ، مع قصد النجاة من ضرهم ، بأن يحملوا كلامه على ظاهره ، من أن الفاعل هو كبيرهم ، وإن فطنوا به فقد فطنوا بالحجة عليهم ، والله منجيه ، أو أسند الفعل إلى كبيرهم؛ لأنه هو السبب لفعل إبراهيم ذلك . وذلك أنه غاظته تلك الأصنام ، إذ رآها مصطفة وكان غيظ كبيرها أشد بما رآه من شدة تعظيمهم له ، أو أراد أن القياس - على زعمكم - أن يكون الفاعل هو الكبير . ومن شأن من يُعبد أن يفعل هذا وأشد منه .

ويحتمل أن يريد بل فعله إبراهيم والفتى ، وهو هو . ويدل له وقْفُ بعضٍ على ﴿ فَعَلَه ﴾ ويكون كبيرهم هذا مبتدأ أو خبرا . وعبَّر بالغيبة ، مع أن مقتضى الظاهر أن يقول : بل فعلته ، ليتوهموا أن الفعل مسند إلى كبيرهم ، وأن هذا بدل ، أو بيان ، كما فى الأوجه السابقة وعلى هذا قبل إضراب عن الشك الموقِع فى الاستفهام .

وقال الفراء : الأصل : فلعلّه ، حذفت اللام الأولى من لعل ، وخففت الثانية ، وهو تكلف ، لكن تطابقه قراءة محمد بن السميفع فعلَه كبيرهم ، بالتشديد للام .

وفى حديث الشفاعة : إنهم يأتون إبراهيم فيقولون له : قم اشفع فى أهل الموقف . فيقول : لستُ بأهلها؛ لثلاث كذبات : قولى : ﴿ إنى سقيم ﴾ وقولى : ﴿ بل فعله كبيرهم هذا ﴾ وقولى فى سارة لمَا تعرض لها سلطان : إنها أختى ، مع أنها زوجتى . أو قال لها : إن سألوكِ فقولى : إنه أخى .

وقال رسول الله A : « لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات » قلنا : ليس حمل ذلك على ظاهره من قول المسلمين ، ولكن سميت المعاريض كذبا لأنها على صورته . وقد قال A : « إن فى المعاريض لمندوحةً عن الكذب » ، فالمراد أنه لم يتكلم بما على صورة الكذب ، لكراهته صورتها ، إلا بهذه الثلاثة وأشفق منها .

أما قوله : ﴿ بل فعله كبيرهم ﴾ فقد مر بيانه .

٣٬٨٨٧ / ٧٬٦٨٠