هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

47

الجزء ٨ · صفحة ٣٧١

وذكر أحمد بن حنبل وابن حبان والحاكم ومسلم والترمذى وابن ماجة واللفظ للترمذى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله A خ قال : إن الله D سيستخلص رجلا من أمتى على رءوس الخلائق يوم القيامة ، فيُنْشَر عليه تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل مثل مد البصر ، ثم يقول : أتنكر من هذا شيئا؟ أظلَمك شيئًا كتبتى الحافظون؟

فيقول : لا يا رب .

فيقول : ألك عذر؟

فيقول : لا يا رب .

فيقول الله تبارك وتعالى : بل لك عندنا حسنة؛ فإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله ، واشهد أن محمدا عبده ورسوله .

فيقول : احضر وزنك .

فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟!

فيقول : فإنك لا تظلم فتوضع السجلات فى كفة ، فطاشت السجلات ، وثقلت البطاقة ، ولا يثقل مع اسم الله شئ

والسجل : الكتاب الكبير . والبطاقة : الصغير . و الطيش : الخفة . وأجر الشهادة كما ذكروا وأكثر ، ولكن المراد أن ذلك لمن مات تائبًا ، فيظهر الله له أن ذنوبه مثل تلك السجلات ، وأنه لما تاب قبلت توبته ، فغلبت عليها شهادته .

ونسبوا كونه ميزانا فى كفتين وعمود ولسان إلى الحسن ، وذكروا أن للكفة اليمنى كفة نور توضع فيها الحسنات ، واليسرى توضع فيها السيئات ، وهى كفة ظلمة . فبعض يقول : ليس علينا البحث عن كيفية الوزن ، بل تؤمن به وتفوِّض كفتيه إلى الله تعالى .

وقيل : توزن صحائف الأعمال .

قلنا : إذًا تكون الزيادة فى الموزونات من الأعمال .

وبعض يقول : تجعل الحسنات أجساما نورانية بيضاء حسنة ، والسيئات أجساماً ظلمانية قبيحة ، جوابًا عما يقال : إن الأعمال أعراض لا توزن ، وأنها قد عدمت ، فلا توجد . سلّمنا أن الله قادر على قلب الأعراض أجساماً ، بل وعلى إيجاد الأعراض الممدومة وعلى وزنها ، لكن لا فائدة فى الوزن ، مع أن الله عالم بمقاديرها ووزنها غيب .

وإن قالوا : فائدته امتحان العباد بالإيمان بالغيب فى الدنيا ، وجعل ذلك علامة لأهل السعادة والشقاوة .

قلنا : هذا موجود فى تفسيرنا للميزان ، بتعريف العباد ، ما لهم من الجزاء على الخير والشر ، وإحضار ذلك الجزاء .

وبعض يقول : يخلق الله أجساما على عدد تلك الأعمال من غير قلبها . وفيه ما فى الذى قبله . وإذا أدحضت حججهم قالوا : إن لوزنها حكمة أبهمها الله ، كما صرح به بعض ، وأن ذات الميزان لا تعرف من أى شئ هى؟ وما ورد فى ذلك من الأخبار فمعناه معنى الآية الذى أوضحناه .

فمن ذلك ما روى عنه A أنه توزن الصحف . فمعنى وزنها الجزاء بما فيها وترجيح خيرها على شرها ، أو شرها على خيرها .

وزعم بعضهم أن الراجح فى ذلك الميزان يرتفع والمرجوح يتسفل . ولا توزن أعمال المشركين لقوله :

٣٬٨٧١ / ٧٬٦٨٠