هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

87

الجزء ٨ · صفحة ٤٢٥

﴿ وَذَا النُّونِ ﴾ صاحب الحوت؛ أضيف للحوت لأن الحوت بلعه ، وهو يونس بن مَتَّى .

قال السهيل : هذا مقام ثناء على يونس ، ولذا عبر عنه بذو ، بخلاف : ﴿ ولا تكن كصاحب الحوت ﴾ والإضافة بذو أشرف من الإضافة بصاحب؛ لأن ذو تضاف إلى التابع وصاحب يضاف إلى المتبوع . انتهى . ولعل هذا غير لازم ، وهو نبى من أهل نِينَوِى .

﴿ إذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا ﴾ لقومه أى غضبان عليهم غضبا شديدا ، مما قاسى منهم من التكذيب وغيره ، ولم يؤذن له فى ذلك === بقومه ، وذهب عنهم غضبا ، قبل أن يؤمر .

وقيل : وعدهم بالعذاب غدا ، ولم يأتهم العذاب غدا لقوتهم ، ولم يعرف بذلك ، وظن أنه يقال فيه : كذب .

وغضب من حيث بلغه تكذيبهم إلى هذا المقام ولم يقل : غضبان ، بل مغاضبًا؛ لأن مفاعِل والتفاعُل يستعمل كثيراً للمغالبة ، فاستعمل منه مفاعِل هنا ، قصدا للمبالغة ، أو الألف للتعدية؛ لأنه أغضبهم بالمهاجَرة ، لخوفهم لحوق العذاب ، كما يقال : ماشيْتُه وسايرتُه .

وقرأ أبو شرف مغضبًا بفتح الضاد . ونقل عنه أبو حيّان مغاضَبا بفتحها .

﴿ فظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾ لن نقضى عليه ما قضينا ، من حبسه فى بطن الحوت . ويدل لهذا أنه قرأ الزهرى والحسن نُقَدِّر بضم النون وفتح القاف وتشديد الذال .

وقرئ نَقْدِر بفتح وسكون القاف وكسر الدال .

وقرأ يعقوب بالياء والبناء للمفعول .

وقرئ بالياء والبناء للمفعول مع التشديد . وفاعل ذى الياء ضمير الله ، ونائبه : عليه .

وقيل فى المعنى : ذلك هو التضييق ، أو تقدير الله عليهم عقوبة ، أو المراد أنه ظن أن لن تعمل فيه قدرتنا .

وقيل : ذلك من المجاز المركب لاستعارى مُثّلت حاله بحال من يظن أنه لن يقدر الله عليه ، فى مراغمته قومه ، من غير انتظار لأمرنا ، أو وسوس له الشيطان : أنه لا يقدر عليك ولم يتبعه ، ولا كاد يتبعه ، أو يقبل وسوسته ، ولكن سميت ظنًّا ، للمبالغة والتغليظ عليه ، حيث ذهب ولم يؤمر ، بل أمر قبل ذلك بالصبر على دعائهم ، وظن أن ذلك يسوغ له ، إذ لم يفعل إلا غضبًا لله تعالى وبغضًا للكفر وأهله . وتلك المعانى كلها ، يقبلها التخفيف والتشديد .

وإذا رأيت التشديد مستغنى عنه فاجعله لموافقة التخفيف ، أو للتوكيد .

وخص بعضهم التفسير ، بأنه ظن أن لن تعمل فيه قدرتنا والتفسير بالمجاز المركب والتفسير بالوسوسة بقراءة التخفيف . وممن فسر الآية بالقَدْر لا بالقُدرة ابن عباس . رُوى أنه دخل على معاوية . فقال معاوية لقد ضربتنى أمواج القرآن البارحة فغرقتُ ، فلم أجد لنفسى خلاصا إلا بك .

قال : وما ذاك يا معاوية؟

فقرأ الآية فقال : أوَ يظن نبى الله أن لا يقدر عليه الله؟

قال : هذا من القَدْر لا من القُدرة .

وزعم بعضهم أنه غضب لأن العذاب لم ينزل عليهم ، وهو باطل؛ لأن فيه طرفا من معاداة الله .

٣٬٩٢٥ / ٧٬٦٨٠