هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

79

الجزء ٨ · صفحة ٤٠٤

﴿ فَفَهَّمْنَاهَا ﴾ أى الحكومة ، أو القضية المفهومة من الكلام . وقرئ ففهمناه ﴿ سُلَيْمَانَ ﴾ أى ألهمناه إياها ، مفعول ثان مقدم ، وسليمان مفعول أول .

﴿ وَكُلاًّ ﴾ داود وسليمان ﴿ آتَيْنَا حُكْمًا ﴾ نبوة ﴿ وَعِلْمًا ﴾ بأمور الدين ، على وجه الاجتهاد .

وقيل : على طريق الوحى . فضل الله حكم سليمان ، ونسخ به حكم داود . وفى ذلك دليل أن الاعتبار بالحق لا بالتقدم والأبوة ونحوهما . فقيل : حكما بالوحى ، ونسخ وحْىُ سليمان وحْىَ داود .

وقيل بالاجتهاد بناء على جوازه للأنبياء . والاجتهاد لا ينسخ الوحى ، فيحتمل أن الله قد عرفهما أن حكم سليمان هو الحق .

ويحتمل أنه لم يعرفهما ، وأخبر الله به هذا النبى الكريم .

والحاكم المجتهد إذا أخطأَ فله أجر واحد ، ولا إثم إلا فى الخطأ فى الأصول . وإذا أصاب فله أجران .

وإذا اختلف المجتهدون ، فالحق مع واحد فقط عند الله ، لا معهم ، على الصحيح . ويمكن خطؤهم . وفى مضمونه ﴿ وكلا آتينا حكما وعلما ﴾ دليل على إصابتهما لكن أحدهما أولى .

روى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حبوب ، والآخر صاحب غنم . قلت : ظاهر هذه الرواية أن الحرث فى الآية الزرع .

قال : فقال صاحب الزرع : إن غنم هذا أكلت زرى ليلا وأفسدته ، ولم يبقى شئ .

قلت : هذا نص أن الحرث : الزرع . وإنما كتبت ما كتبت من الاتسظهار ، قبل اطلاعى على هذا .

فأعطاه داود رقاب الغنم ، فخرجا فمرا على سليمان فقال : كيف قضى بينكما؟ فأخبراه .

فقال سليمان : لو وليت أمركما لقضيت بغير هذا .

وقيل : قال : غير هذا أرفق بهما . فأُخبر بذلك داود فدعاه وقال : كيف تقضى؟

وروى أنه قال : بحق النبوة والأبوة إلا ما أخبرتنى بالذى هو أرفق .

قال : صاحب الغنم يدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدَرِّها ونسلها وصوفها ومنافعها ، ويزرع صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه ، ويقوم به حتى يصير كهيئته ، فيدفعه إلى صاحبه ويرد غنمه .

فقال داود : القضاء ما قضيتَ . حكم بذلك .

وفى ذلك بيان أن الغنم هنا : الضأن لقوله : وصوفها . وسليمان إذ ذاك ابن إحدى عشرة سنة . ووجه حكومة داود أن الضرر وقع بالغنم فسلم بجنايته إلى المجنى عليه ، كما أن العبد إذا جنى مثل قيمته أو أكثر بلا أمر صاحبه ، فالمجنى عليه يأخذ العبد له ، عند بعض أصحابنا . وبه قال أبو حنيفة وزاد : أو يفديه صاحبه .

وقال الشافعى : يبيعه فى ذلك أو يفديه .

وقال بعض أصحابنا : الخيار له يدفعه أو قيمته ، وإن أمره لزمه كل ما فعل .

قال جار الله : ولعل قيمة الغنم كانت على قدر النقصان فى الحرث .

ووجه حكم سليمان أنه جعل الانتفاع بالغنم بإزاء ما فات من الانتفاع بالحرث ، وأوجب على صاحب الغنم أن يعمل فى الحرث حتى يرجع كما كان ، بناء على أنه بقيت أصوله ، أو يجدد حرثا يربيه ، حتى يصير كذلك ، وصاحب الحرث لم يأخذ زيادة؛ فإنه ولو كان قد رجع حرثه ، واستنفع بالغنم ، لكنه قد يغنى بالغنم ، كما أن من غصب عبدا ، وأبقى من يده ، يرد قيمته إلى صاحبه ينتفع بها .

٣٬٩٠٤ / ٧٬٦٨٠