102
الجزء ١ · صفحة ٤٤٢﴿ فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ وليس فى ذلك تلبيس الدين لغيره لأنه تعالى قد خلق الطاعة وأمر بها ، وبين الحلال والحرام ، وكان الملكان بإذنه تعالى لا يعلمان أحدا السحر حتى يقولا : ﴿ إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ هذا هو الحق عندى ، ويحتمل على بعد أن يكونا متعمدين تعليم السحر بالذات ، بل يعلمانه بالغرض بأن يريا الناس يدعون النبوة بالسحر ، ويخوضونه لغير ادعاء النبوة أيضا ، فكانا يصفان السحر للناس ليعرفوا بطلان ادعاء النبوة ممن يدعيها به ، وليتركوه فلا يفعلوا فيه إذ قد يفعل الإنسان فعلا أو قولا يكون سحرا ولا يدرى أنه سحر ، ويقولان قبل أن يصفاه للناس : ﴿ إنما نحن فتنة فلا تكفر ﴾ لأنها قد علما أنهما إذا وصفاه للناس على جهة التحذير عنه تعلموه ليعلموه ، وما ذكر على أن ما موصولة أو موصوفة ، وضمير أنزل عائد إلى ا ، وقيل هى نافية وضمير أنزل عائد إلى السحر وعليه فهى وما بعدها جملة معطوفة على قوله : ﴿ ما كفر سليمان ﴾ قلت : هذا ينافى قوله : ﴿ وما يعلمان من أحد حتى يقولا ﴾ إنه يقتضى أنه نزل عليهما السحر فكانا يعلمانه الناس ، ولعل صاحب هذا القول يقول : إن المعنى ما أنزل على الملكين السحر على أنه حلال لمن يتعلمه أو يعلمه لغيره ، ولكنه أنزل ابتلاء وفرقا بين الساحر والنبى . وقال مجاهد وغيره إن الله أنزل على الملكين ما يفرق به بين المرء وزوجه فقط دون السحر . انتهى . فتكون ما موصولة وفى عطفها ما مر من كونه على السحر أو على ما تتلو ، وقيل إن اليهود قالوا : إن السحر أنزل على جبريل وميكائيل فى بابل ، ورد عليهم الله فتكون ما نافية ، ويرده أنه لم يصح تسميتها بهاروت وماروت إلا إن كانت تسمية من اليهود محدثة فذكرها الله ، وقيل المراد بالملكين رجلين صالحين سميا ملكين باعتبار صلاحهما ، وعليه فما موصولة أو موصوفة أو نافية على ما مر أيضاً ، ويؤيده قراءة الحسن : الملكين ( بكسر اللام ) فهما سلطانان عادلان ببابل يتعلق بأنزل ، أو بمحذوف حال من الملكين ويضعف كونه حالا من المستتر فى أنزل ، وبابل بلد من أعمال الكوفة من العراق ، سمى لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود ، كما يأتى بمحله ، وقيل هو بلد فى نهاوند ، والأول أصح وأشهر .