102
الجزء ١ · صفحة ٤٤٦وقال على بن أبى طالب : قالت بعدما صليا عنده لن تدركانى حتى تخبرانى بالذى تصعدان به إلى السماء فقالا : الاسم الأكبر ، فقالت : فما أنتما بمدركانى حتى تعلمانى إياه ، فقال أحدهما للآخر : علمها . فقال : إنى أخاف الله . فقال الآخر : فأين رحمة الله؟ فعلمها ذلك فتكلمت به فصعدت إلى السماء فمسخها الله كوكبا ، فقيل : إنها هى الزهرة ، وقيل إن الزهرة من الذرارى التى أقسم الله بها ، قال : ﴿ فلا أقْسِمُ بالخُنَّس الجَوَارِى الكُنَّس ﴾ ولا يقسم الله بامرأة كافرة ، والتى فتنتهما تسمى الزهرة لجمالها تشبيها بذلك الكوكب ، ومسخت شهابا لما بلغت ، فلما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتها ، فعلما ما حل بهما فصعدا إلى إدريس النبى A وأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما عند الله تعالى وقالا له : رأينا أنهُ يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض ، فاشفع لنا عند ربك ، ففعل ذلك إدريس ، فخيَّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ، فاختارا عذاب الدنيا إذ علما أنهُ ينقطع ، فهما ببابل يعذبان معلقان بشعورهما إلى قيام الساعة .
هذه رواية ، وعن القاضى البيضاوى وعياض وابن عرفة والفخر الرازى : ما يروى فى ذلك من مراودتهما المرأة ، وشرب الخمر ، وقتل النفس والصلاة ، للصنم ، غير صحيح عنه A ولا عن على وابن عباس وغيرهما من الصحابة ، بل كذب عنهم وإنما ذلك من أخبار اليهود وكتبهم وافترائهم ، ولا يؤخذ ذلك بقياس ، وأنكر كثير من السلف ذلك أيضا .
قال القاضى : ولعله من رموز الأوائل ، وحله لا يخفى على ذوى البصائر ، يعنى أنه مثل كلام الصوفية وإشارتهم ، وأن بيانه لا يخفى على ذوى البصيرة ، قال زكريا الملقب بشيخ الإسلام : يعنى أنه عبر عن العقل والنفس المطمئنة بالملكين ، وعن النفس الأمارة بالسوء بالزهرة ، وعن مفارقتهما بالموت بالصعود إلى السماء . انتهى .
وأقول : حمل القرآن على أمثال هذا جهل وضلال ، وإخلال بإعجازه وبلاغته ، ولا أرى شيئا من طريق الصوفية صحيحا إلا ما وافق القرآن والسنة ، ولم يوقع فى إيهام وإلباس ، وذكر ان حجر أن ذلك المروى عن هاروت وماروت له طريق بعيد العلم بصحته ، وإن أحمد بن حنبل وابن حيان والبيهقى وغيرهم ، وأنه ثبت عن على وابن مسعود مرفوعا بأسانيد صحيحة ، وأظن أن الفخر والقاضى ومن ذكر معهما ، قد أنكروه ، مع علمهم برواية أحمد وابن حيان وغيرهما ، لعلمهم أن فى الإسناد ضعفا وبطلانا ، ولأن الملائكة معصومون على الإطلاق ، كما هو مذهبنا ومذهب محققى مخالفينا وجميع المعتزلة من الكبائر والصغائر ، وزعمت طائفة أنهم غير معصومين ، محتجين بقصة هاروت وماروت ، فنجيب بأنها لم تصح كما مر لم آنفا ، وأنها مأخوذة من اليهود ، وهم كاذوبن على أنبيائهم وغيرهم ، وقد حكى الله جل وعلا فى الآية ، كذبهم على سليمان بقوله سبحانه :