102
الجزء ١ · صفحة ٤٤٨قال ابن هشام : وتعلم بمعنى اعلم لا يتصرف فيهِ ، ومنهُ قول زهير :
تَعلّمْ رسول الله أنك مدركى … وأن وعيدا منك كالأخذ باليد
وقول زهير :
فقلت تعلم أن للصيد غرة … وقول زياد بن يسار :
تعلم شفاء النفس قهر عدوها … وأما ما رواه الدمامينى والشيخ خالد عن يعقوب بن الكسيت أن من العرب [ من ] قد يقول تعلمت أن زيدا خارج بمعنى علمت ، فقيل لا ينهض حجة لقتله وعدم ورود غيره من التصاريف بعد الأمر على ابن هشام ، والأعلم قبله فلا يحمل عليه القرآن .
﴿ حَتَّى يَقُولاَ إنّما نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ : يقولون هذا نصحا لمن جاءهما لتعلم السحر ، أى إنما نحن ابتلاء من الله للناس ، أرسلنا الله نعلم السحر لمن جاءنا ، فيسعد من اتقى الله ولم يجننا للسحر ، أو جاء ليعلمهم فيتوقاه ويميزه عن المعجزة ، ويشقى من جاء ليتعلمه فيعمل به أو ليعلمه لمن يعمل به ، ففى الآية دليل على جواز تعلم ما لا يجوز عمله ، بنية توقيه وتمييزه والعلم به ، لينهى عنه إذا رآه ، كمعرفة الأزلام والأنصاب والميسر ، وما معرفة ذلك إلا كما نعرف مذهب المخالفين لنتوقاه ما وجدنا عنه سعة ، وكما نعرف ديانتهم المختصين بها لنتوقاها أصلا ، وكما نعرف الخمر لنتركها ونهرقها وننهى عنها ونجدن ونميزها عن الخل ، فإن معرفة الشئ تزداد بمعرفة ضده ونقيضه ، ولا يجب عندى بعد استفراغ وسعى ، معرفة مذهب المخالفين وديانتهم ، بل الواجب معرفة الحق فقط ما لم يقارف سواه مما يدرك بالعلم ، ويجوز أن يكون المعنى : إنما نحن مفتونون ولسنا علىحق ، بل على باطل ، لكن هذا الوجه إنما يتم إذا قلنا إنهما رجلان لا ملكان ، والوجه الأول على أنهما ملكان .
﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ : بعمل السحر واعتقاد جوازه والدخول فيه ، كما لا يجوز وهذا على أنهما ملكان أو رجلان ، ويجوز على أنهما رجلان أن يكون المعنى : فلا تكن كافرا مثلنا ، وإذا قالا إنما نحن فتنة فلا تكفر وأبى إلا التعلم علماه ، وقيل يقولان له سبع مرات فإن أبى علماه ، وحفظت أن امرأة جاءتهما لتعلم السحر ، فقالا لها ذلك ، وقالا لها : ارجعى ، فأبت ، فقالا لها : بولى فى ذلك التنور ، فذهبت إليه ورجعت وقالت : قد فعلت ، فقالا لها : فماذا رأيت قالت : ما رأيت شيئا ، فقالا لها : كذبت ارجعى وبولى فيه ، فبالت فرجعت إليهما فقالت لهما : قد بلت . فقالا : ما رأيت ، قالت : رأيت فارسا خرج منى مقنعا بحديد وصعد إلى السماء ، فقالا : صدقت ، ذلك إيمانك خرج منك ، وذكروا أنهما يقولان لمن أراد السحر بعد ما ينهيانه عنه ويأبى : اذهب إلى ذلك الرماد فبُلْ فيه ، فإذا فعل ذلك خرج منه نور ساطع فى السماء وهو الإيمان والمعرفة ، وينزل شئ أسود شبه الدخان حتى يدخل مسامعه ، وذلك غضب الله ، فترى يا أخى متعاطى السحر يقع فى الشرك من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم ، ولا سيما من يتناوله من اليهود أو يتعلمهُ منهم ، ولا نحكم عليه بالشرك حتى يتبين فى فعله أو قوله شرك ، وقد ذكر بعض الأئمة أن السحر لا يصح إلا من كافر ، لأن الأرواج التى تعينهم على القتل قد أخذ أكابرها عليها العهود أنها لا تعين ساحرا ، إلا إن خرج من دين الإسلام ، وأنه يؤيد ذلك ما قصّهُ الله تعالى عن هاروت وما روت أنهما لا يعلمان أحدا السحر حتى يقولا له إنما نحن فتنة فلا تكفر ، قال أبو المعالى عبد الملك إمام الحرمين صاحب الورقات : لا يظهر السحر إلا على يد فاسق ، كما لا تظهر الكرامة إلا على يد ولى ، ولا نسلم أن الكرامة لا تظهر إلى على يد ولى ، بل تكون بكثرة اليقين والتجرد ، ولو من مخالف أو من موافق غير متولى ، ولا تكون دليلا على كونه وليا لله D : وعن مالك : السحر زندقة قال : وإذا قال رجل أنا أحسن السحر قتل ولم تقبل توبته ، وعن سفيان الثورى : إتيان الكاهن وتعلم الكهانة والتنجيم ، والضرب بالرمل والشعير وتعلمها حرام بالنص الصريح .