هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

154

الجزء ٢ · صفحة ١٠٦

﴿ بَلْ أحْياءٌ ﴾ : أى بل هم أحياء ، وهذا إضراب انتقالى عن النهى أن يقولوا هم أموات ، وقال : إنهم أحياء فى نعيم دائم ، أحبوا ليصلهم الثواب ، وهذا كلام مستأنف منقطع عن النهى وعن المحكى بالقول ، نقض الله D قولهم أموات وليس أحياء معطوف على أموات ، ولا هو بتقدير المبتدأ معطوفاً على هم أموات ، لأن المعنى حينئذ لا تقولوا أموات بل أحياء ، وليس ذلك صحيحاً ، نعم يجوز تقدير القول أمراً ، أى بل قالوا هم أحياء .

﴿ ولكن لا تَشْعُرون ﴾ : لا تعلمون كيف حياتهم ، لأنكم ترونهم لا يتحركون ولا يتنفسون ولا يتكلمون ، فهى حياة لا تدرك بالعقل ولا بالمشاهدةن بل علمها عند الله وتدرك بالوحى ، وقيل إن الحياة حلت أجسادهم ولو لم تتبين بالحس والمشاهدة ، إلى أن يبعثوا وسائر الأموات تحيا أجسادهم بعد الموت برجوع الروح إليها ، وتمكث فيها ما شاء الله ، ثم تخرج وقد تعود ، وليس ذلك تكرير موت ، بل كنوم ولا مشقة فى خروجها حينئذ ، وقيل : حياتهم بالروح لا فى الأجساد ، فامتيازهم عن سائر الأموات بأكل الأرواح من الجنة أو فيها ، أو التنعيم فيها أو منها ، وبتصييرها بصور طين بيض وخضر أو فى أجواف طير بيض أو صفر ، هذا ما ظهر لى فى الرد على من خالف الجمهور فى قولهم : إن حياتهم بالروح لا فى الجسد ، وقال : إنها الجسد ، وإنها لو كانت بالروح فقط ، لاستتوا بجميع الأموات . الذين ليسوا شهداء ، ولم تكن لهم مزية ، ويجوز أن يكون المعنى : ولكن لا تشعرون ما هم فيه من النعيم ، وعن الحسن : أن الشهداء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أروحهم ، ويصل إليهم الروح والريحان والفرح ، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيّاً ، فيصلهم الألم والوجع ، ويدل ذلك على ثبوت عذاب القبر وتنعيمه ، وأن الروح جوهر قائم بنفسه باق بعد الموت مدرك كما هو قول جمهور الصحابة والتابعين ، وعليه تدل الآيات والسنن ، وروى مسلم أن أرواح الشهداء عند الله فى حواصل طير خضر تسرح فى أنهار الجنة حيث شاءت ، ثم تأوى إلى قناديل تحت العرش . وعن مجاهد : يرزقون تمر الجنة ، ويجدون ريحها وليسوا فيها . وهو كلام يحتمل ظاهره وهو الأكل منها فى قبورهم ، ويحتمل أنهم يأكلون منها بأرواحهم وليسوا فيها بأجسادهم . قال الزمخشرى : وقالو يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم ، وإن كانت فى حجم الذرة ، وعنه A : « أن أرواح الشهداء فى حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة » وروى فى قبة خضراء ، وروى فى قناديل من ذهب ، ويجمع بين ذلك بأن بعض الشهداء على حال ، وبعضا على حال ، أو كلهم فى وقت على حال ، وفى وقت على حال ، وبعضا فى حواصل الطير ، وبعضا يصور طائراً ، ثم رأيت القرطبى أشار إلى ذلك قوال : إنه حسن يجمع به بين الأخبار حتى لا تدافع ، وكذا ورد فى الحديث : إنما نسميه المؤمن من طائر يعلق فى الجنة ، ومعنى يعلق يأكل ، منه قولهم : ما ذقت علاقا أى مأكلا ، فأما أن يراد المؤمنون كلهم ، فيختص الشهداء بقدر لا يناله غيرهم ، وأما أن يراد المؤمن الشهيد ونكتة الإطلاق كثرة شهداء الآخرة لحصول الشهادة الأخروية بغير القتل أيضا ، وحديث : إنما نسيمه المؤمن طائر يعلق فى الجنة .

٦٠٦ / ٧٬٦٨٠