130
الجزء ٢ · صفحة ٥٠﴿ ومَن يَرغَبُ ﴾ : هذا استفهام نفى وإنكار واستبعاد ، أى ولا يرغب ﴿ عَنْ مِلة إبراهيمَ إلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسهُ ﴾ : أى أهانها بتعرضها للعذاب حين عصى الله ، D ، وسفه لازم ، وإنما تعدى لتضمن معنى أهان كما علمت أو أذل أو أهلك أو خسر ، كما فسره ابن عباس به ، أو جهل فإن من عصى الله ، جل وعلا ، كأنه جهل نفسه مخلوقة الله واجباً عليها عبادته ، وقد جاء من عرف نفسه فقد عرف ربه ، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى داود عليه السلام : اعرف نفسك واعرفنى . قال : يا رب كيف أعرف نفسى وكيف أعرفك؟ قال : اعرف نفسك بالعجز والضعف والفناء . واعرفنى بالقوة والقدرة والبقاء . قال المبرد وثعلب : ( سفه ) بالكسر متعد ، و ( سفه ) بالضم لازم ، ويدل له ، قيل : ما فى الحديث الكبر أن تسفه الحق وتقمص الخلق . وروى الناس وذلك رواية التخفيف ولا دليل فيه لا حتمال التأويل بنحو أهان ، وببعض أوج التأويل فى الآية والقمص والاستصغار ، والغمط ( بالطاء ) التحقير . وقيل الأصل سفه بالرفع فنصب على التمييز المحول عن الفاعل على قول الكوفيين على جواز تعريف التمييز ، كما قيل غين رأيه وألم رأسه وقول جرير :
ونأخذ بعده بذناب عيش … أجب الظهر ليس له سنام
بنصب الظهر على التمييز ، مدح النعمان بأنهم يبقون بعده فى عيش لا خير فيه وذناب الشئ عقبه ، والجمل الأجب الظهر هو الذى قل لحم ظهره حتى كان لا سنام له ، والسنام الذروة شبه العيش الضعيف بذلك ، والأوضح إذا صبر إلى هذا التأويل أن يذكر بدله أن النصب على التشبيه بالمفعول به فى قوله : ( سفه نفسه ) ونحوه ، كالبيت يجوز كون أل فيه زائدة ، وقيل النصب على نزع الخافض ، أى سفه نفسه أو فى نفسه ، والملة الشريعة والطريقة ، والسفة الخفة وعدم الرشد فى العقل والقول ، والمستثنى بدل بعض من الضمير فى يرغب ، أو نصب على الاستثناء ، والبدل أولى لتقدم النفى بمن ، كأنه قيل : لا يرغب أحد عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ، وسبب نزول الآية : أن عبد الله بن سلام دعا ابنى أخيه إلى الإسلام مهاجرا وسلمة ، وقال لهما : قد علمت أن الله تعالى قال فى التوراة : إنى باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد ، فمن آمن به فقد أهدى ، ومن لم يؤمن به فهو ملعون . فأسلم سلمة وأبى مهاجر ، فنزلت . وفيها تعريض لليهود والنصارى ومشركى العرب ، لأن اليهود والنصارى يفتخرون بالنسبة إلى إبراهيم ، لأنهم من ولد إسرائيل ، والعرب يفتخرون به لأنهم من ولد إسماعيل ، فأخبر الله أن من رغب عن ملة محمد فقد رغب عن ملة إبراهيم ، لأنها واحدة فقد كذب فى افتخاره . وقرأ هاشم أبراهام بالألف فى جميع هذه الصورة ، وفى السناء ثلاثة أحرف وهى الأخيرة ، وفى الأنعام الحرف الأخير ، وفى التوبة الحرفين الأخيرين ، وفى إبراهيم حرفاً وفى النحل حرفين وفى مريم ثلاثة أحرف ، وفى العنكبوت الحرف الأخير ، وفى حمعسق حرفا .