131
الجزء ٢ · صفحة ٥٢﴿ إذْ قالَ لَه ربُّه ﴾ : إذ ظرف متعلق باصطفيناه لكن على معنى قولك : أظهر لنا أو للملائكة أو للكل اصطفاه ، وإنما قلت هذا لأن كونه رسولا خليلا صفيا أزليا ، ويجوز أن تكون حرف تعليل معللة للاصطفاء بناءً على جواز كونها للتعليل ، والمانع يقول إنها ظرف والتعليل مستفاد من المقام والسيقا ، وهذا معنى قول القاضى ظرف لاصطفيناه ، وتعليل له فلا حاجة إلى ما قيل من أن الواو فى قوله : وتعليل له بمعنى أو . قال ابن هشام وهل إذ التعليلية حرف بمنزلة لام العلة؟ وهذا لا يقول به الجمهور ، أو ظرف ، والتعليل مستفاد من قوة الكلام لا من اللفظ ، وهذا قول الجمهور ، ويجوز أن تكون مفعولا لا ذكر محذوفاً أو ظرفا لمعموله ، أى اذكر إذ قال له ربه ، أو اذكر الواقع إذ قال له ربهُ ، لتعلم سبب اصطفائهِ ، والحكم بصلاحه وإمامته ، وهو المبادرة للإسلام المذكور فى قوله تعالى : ﴿ أسلم ﴾ كما حكى الله مبادرته بقوله : ﴿ قال أسلمت لرب العالمين ﴾ ، ومَن كان بهذه الصفة لا يرغب عن ملته عاقل ، فهذا من تتمة قولهِ D : ﴿ ومن يرغَب عَنْ مِلَّة إبراهيم ﴾ ، ولذا لم يعطف بالواو ، ويجوز تعليقه ، يقال من قوله : ﴿ أسْلَمت ﴾ لكن هذا وجه مرجوح ، إذ لو كان كذلك لكان بالواو ، لأنهُ حينئذ من طريق قوله تعالى : ﴿ وإذا ابتَلَى إبراهيم رَبُّه ﴾ واختلفوا فى الوقت الذى قال له ربهُ فيهِ أسلم ، فقيل : هو وقت طفولته ، واستدلاله بالكواكب والشمس والقمر ، واطلاعه على أمارات الحدوث حين خرج من الغار أو بعده ، وهذا قول الجمهور وابن عباس ، وقيل : بعد النبوة ، وعلى كلا القولين ليس مشركا قبل ذلك ، فإن كان كل مولود يولد على الفطرة ، فكيف برسول خليل؟ قال الحسن : ذلك حين أفلت الشمس فقال : ﴿ يا قوم إنى برئ مما تشركون ﴾ وإذ علقنا إذ باصطفيناه أو جعلناها تعليلا له فقوله : ( ربه ) على طريق الالتفات من التكلم للغيبة .
﴿ أسْلِم ﴾ : أدم على الإسلام أو استزد من جزئيات الإسلام ، فإن الإسلام ولو قلنا إنه كلى لكن له أمداد يمد بها كما وصفهُ الله تعالى بالزيادة ، ويجوز أن يكون المعنى : اعمل الأعمال الصالحات بالجوارح ، فإن السابق فى قلبه الإيمان ثم يكلفه الله بتكاليف تعمل بالجوارح ، فأمره الله بالعمل بها ، ولو قيل إن النطق بالإيمان عمل جارحة داخل فى ذلك لكان صحيحاً ، ويجوز أن يكون الإسلام بمعنى الإيمان وهو مؤمن قبل ذلك ، لكن على أن معنى قوله : ﴿ قال له ربه أسلم ﴾ أحضر له ربه فى قلبه دلائل الإيمان ، أو بمعنى الأعمال بالجوارح كذلك سواء ، لكن على أن معنى قوله ربه أسلم أحضر لهُ ربهُ فى قلبه دلائل وجواب الأعمال بالجارحة ، وأسلم على ذلك كله لازم غير متعد ، ويجوز أن يكون متعدياً فحذف المفعول ، أى أسلم دينك أو عبادتك لله ، أى صيرها سالمة من المفسدات ، أو أسلام نفسك أى أخلصها لله ، وفوض أمرك إليه ، وقد قال له جبريل حين دُفع إلى نار النمرود : ألك حاجة؟ فقال : أما إليك فلا ، ولكن إلى الله .
﴿ قالَ أسْلَمتُ لربِّ العَالَمين ﴾ : أى قبلت الأمر بالدوام على الإسلام ، وخضعت له أو قبلت الأمر بالأعمال الجوارح ، وأذ عنت به أو قبلت ما خطرت لى فى قلبى ، وأذعنت فيه لك أو أخلصت دينى أو عبادتى أو نفسى لك .