هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

233

الجزء ٢ · صفحة ٣٧٢

﴿ وَعَلَى الموْلُودِ لَهُ رِزْقُهنَّ وَكِسْوتُهنَّ بالمعْرُوفِ ﴾ :

المولود له هو الأب الوالد ، فإن المرأة تلد له وينسب الولد إليه ، أو اللام بمعنى من فإن المرأة تلد من زوجها ، وله نائب فاعل ، والأصل وعلى الوالدة المرأة الولد له ، وحذف الفاعل وهو المرأة ، وبنى الوصف للمفعول وحذف المفعول أيضاً ، وهو الولد ، وناب له عن الفاعل ، وهو متعلق بمولود ، وإنما قال : ﴿ وعلى المولود له ﴾ ولم يقل وعلى الأب أو على الولد ليشعر بأن الأم ولدت للأب أو من الأب ، فيشعر بأن الإرضاع عليها لأنها ولدت ، وبأن على الأب مؤنة درِّ المرضعة لكونها ولدت له ومنه ، وبأن عليه الإرضاع إن أبت منه ، لأنها ولدت له ، ومنه ، ولو قال : وعلى الوالد أشعر بأن عليه ذلك ، لأنه والد ولم يشعر بأنها ترضعه لأنها ولدته ، ولا بأن ذلك عليه لكونها ولدت له وتعليق ذلك يكون ولدت له آكد من مجرد تعليقه بكونه والداً لأن القيام بمن ينسب إليه أعظم ، وهو ينسب إلى الأب ، روى أن المأمون بن الرشيد لما طلب الحلافة عابه هشام ابن على وقال : بلغنى أنك تريد الخلافة ، وكيف تصلح لها وأنت ابن أمة فقال : كان إسماعيل ابن أمة ، وإسحق عليهما السلام بن حرة فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم وأنشد .

لا تزرين فتى من أن تكون له … أم من الروم سوداء دعجاء

فإنما أمّهات الناس أوعية … مستودعات وللآباء أبناء

والأولى إبقاء اللام على أصلها ، ففى قوله : ﴿ المولود له ﴾ إشارة إلى أن الولد للفراش ، وبالمعروف متعلق بما تتعلق به على المولود أو بعلى المؤلود لنيابته عن متعلقه ، أو بتنازعه رزقهن وكسوتهن للدلالتهما على الحديث ، ولو كان بمعنى نفس المال المعطى والثياب التى تلبس ، ومعنى قوله : ﴿ بالمعروف ﴾ بقدر طاقته وجوده الأداء له وحسن الاقتضاء من المرأة ، وبذلك يأمر الحاكم وإلى تفسيره أشار بقوله :

﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إلاَّ وُسْعَها ﴾ : فالرزق والكسوة على قدر غنى الزوج طلق أو أمسك ، وهذه الجملة تعليل جمل لإيجاب إتفاقها ، وكونه بالمعروف ، كأنه قيل لم وجب الرزق والكسوة عليه ، وكونه بالمعروف كأنه قيل : لم وجب الرزق والكسوة عيله ، وكانا بالمعروف فأحببت بأنهن غير قادرات لضعفهن وحسبهن بحق الأزواج ، ولا يصل الأزوالج إلى مالا طاقة لهم عليه .

﴿ لا تُضارَّ وَالِدةٌ بِوَلَدِها وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ : أى لا يضر الزوج امرأته الوالدة بسبب ولدها ، ولا تضر الزوجة زوجها الذى ولدته له بسبب ولده ، وأما الأولى وهو أن يضر الزوج المرأة بالولد ، وهو أن ينتزع منها الولد وهى راغبة فى إرضاعه ، أو يضيق عليها فى النفقة ، أو تكره على إرضاعه ، وقد قبل من غيرها ، ووجد الأب اأجرة أو تكره على إرضاعه بلا أجرة أو بدون مثلها ، وأما الثانى وهو أن تضر المرأة زوجها المولود به بالولد ، فهو أن تمتنع من إرضاعه وتلقيه إليه مع أنه يوسع عليها فى النفقة ، أو تطلب أكثر من أجرة مثلها فليس لها ذلك ، ولو يقبل من غيرها ، وقد علمت أن الفعل مبنى للمفعول ، وضار الوالدات الولد ، وضار الوالد الوالدة ، وأن الباء للسببية ، وجئ بصيغة المفاعلة للمبالغة الراجعة إلى النهى أن الفعل فى المفاعلة أقوى منه بدونها ، أى نهيت نهيا عظيما ، ونهى نهيا عظيما عن الضر أو الموافقة المجرد ، أو لحقيقة مفاعلة ، أى لا يفصل كل منهما جزاء الآخر على أمر يسبق بينهما وهو مجزوم ، وعلامة جزمه سكون مقدر على الراء منع من ظهوره حركة التخلص من التقاء الساكنين على غي حدهما ، وهما الراءان ، وكانت فتحة للتخفيف ، والأصل لا تضار وبراء مفتوحة فساكنة سكنت الأولى وأدغمت فى الثانية بعد فتح هذه الثانية ، ويجوز أن يكوم مبنياً للفاعل والمفعول محذوف على هذا ، أى لا نضار والدة والد أبو لدها ، ولا يضارها والد بولده ، وجئ بالفاعلة لما مر آنفا ، والأصل تضارر براء مكسورة فساكنة سكنت الأولى والدليل على أن لا ناهية فتح الراء ، إذ لو كانت نافية لضمت ، ويدل عليه أيضاً قراءة الحسن لا تضار بكسر الراء ، ولو كان نفياً لضم ، والكسرة على هذه القراءة على أصل التخلص من التقاء الساكنين ، والفعل عليها مبنى للفاعل أو للمفعول ، والأصل لا تضارر بكسر الراء الأولى ، وفتحها وإسكان الثانية سكنت الأولى ، وأدغمت فى الثانية بعد كسر هذه الثانية ، ودل على النهى أيضاً قراءة من قرأ : لا تضارر بفتح الأولى وإسكان الثانية ، وقراءة من قرأ لا تضارر بكسر فإسكان ، وقرأ يعقوب وابن كثير وأبو عمر ولا تضار بالرفع على أن لا نافية ، والمعنى النهى بدليل تلك القراءة وهو مبنى للفاعل أو المفعول على حد ما مر ويجوز أن يكون المعنى فى هذه القراءة النفى كاللفظ ، فتكون الجملة بدلا من قوله : ﴿ لا تكلف ﴾ ويجوز فى أوجه البناء للفاعل من هؤلاء القراءات كلهن أن تكون الباء لغير السببية ، بل للإلصاق ، أى لا يلحق الضرر بالولد المرأة ولا الرجل ، أى لا يضاران به بأن يفرطا فى تعهد مصالحه ، وأطلق بعض فى مثل هذه الباء بهذا المعنى أنها للتعدية وجئ بصيغة المفاعلة لموافقة المجرد ، وللمبالغة ، أو لأن الأب يضر الأم بضر الولد ، والأم تضره بضر الولد ، فهما ضاران كل للآخر بواسطة الولد ، فكأنهما يضران الولد ويضرهما ، ويجوز كون الباء زائدة فى المفعول فى الوجه .

٨٧٢ / ٧٬٦٨٠