هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

235

الجزء ٢ · صفحة ٣٨٦

﴿ علم الله أنكُم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ ﴿ ولكِنْ لاَ تُواعِدُوهُنَّ سِرّاً ﴾ : أى فاذكروهن بألسنتكم ، لكن لا تواعدوهن نكاحاً وجماعاً ، فإن لفظ السر موضع للخفاء ، واستعمل بمعنى الوطء كناية ، لأن الخفاء لازم للوطء ، لأن الوطء يكون فى خفاء ، ثم استعمل لفظ السر المكنى به عن الوطء فى معنى عقدة النكاح ، فهو مجاز مبنى على كناية وعلاقة هذا المجاز السببيه أو المسببية أو هما ، لأن عقد النكاح سبب للوطء وذلك أنه كان الرجل يقول : لا تفوتينى بنفسك فإنى ناكحك ، كما قال مجاهد ، وقيل ذلك أن يأخذ العهد والميثاق عليها ألا تتزوج غيره ، وقيل أن يخطبها فى العدة ، والسر فى ذلك كله التزوج وهو أولى ، يكون أول الآية تعريضا للنكاح وآخرها منعا للتصريح به ، وأما إذا فسرنا السر بالجماع وهو الوطء الحرام كماقال الحسن فكناية وسرا على الوجهين مفعول ثان لتواعد ، ويجوز أن يكون سرا مصدرا منصوبا على الظرفية الزمانية ، أى فى سر ، أى فى وقت سرا أو نمنصوبا على نزع الخافط وهو فى ، وعلى هذين الوجهين المفعول محذوف ، أى لا تواعدوهن نكاحاً أو وطأ فى سر ، وهذه المواعدة محرمة جهرا أيضا ولكن لما كانت تقع فى خفاء بأنهم لا يجهرون بمواعدة التزوج ولا بالوطء الحرام فهو عن عين ما يفعلونه وهو المواعدة بذلك فى السر ، وأيضا إذا حرم فى السر فأولى أن يجرم فى الجهر ، قيل كان الرجل يدخل على المرأة بعرض بالنكاح ، ومراده الزنى ويقول دعينى ، فإذا أوفيت عدتك أظهرت نكاحك فنهو عن ذلك ، وقال الكلبى لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع

﴿ إلاَّ أنّ تَقُولُوا قَوْلا مَّعْروفاً ﴾ : استثناء متصلا مفرع مفعول مطلق ، والناصب فيه هو قوله : تواعد ، لكن المستثنى منه محذوف أى لا تواعدوهن مواعدة قولكم إلا قولا معروفا إلا مواعدة معروفة ، أو يقدر إلا مواعدة بقولكم قولا معروفا ، وهى أنَ يتعرض بالتزوج ولا يصرحوا به ، ويجوز أن يكون تفريقاً بحرف جر محذوف ، أى لا تواعدوهن إلا بقولكم قولا معروفاً وهو التعريض فقط وقبل القول المعروف ، أى يعلم وليها أنه راغب فى نكاحها وإنما لم أجعل أن تقولوا مفعولا ثانيا لتواعد لأنه قد أستوفا مفعولية الهاء سراً ، أو الهاء ومحذوفا ، وأما إن جعلنا سرا ظرفا أو مقدرا بقى ولم تقدر مفعولا آخر فيصح أن يكون أن تقولوا مفعولا ثانيا ، أى لتواعدوهن فى السر إلا قولكم قولا معرفا ، أى إلا مقولا معروفا ، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً ، والمستثنى منه هو قوله سراً ، ولا يقال هذا ضعيف من حيث إنه يقتضى أن يكون القول المعروف وهو التعريض موعود ، أو هو غير موعود ، لأنا نقول لا يقتضى ذلك ، وإنما يقتضيه لو كان الاستثناء متصلا ، وأما إذا كان منقطعا فمن شأن المنقطع ألا يدخل فى المستثنى منه ، ولا يتسلط عليه معنى عامله كما هنا ، وكما تقول أكرم زيدا إلا أن يشاء الله ، أى لكن مشيئة الله هى القاضية ، ولا تواعدوهن سراً ، ولكن قولكم قولا معروفا ، جايز لكم أو يتسلط معنى عامله عليه دون أن يدخل فى المستثنى منه ، نحو قام القوم إلا بعيراً ، ويجوز أن يكون القول موعودا على تفسير .

٨٨٦ / ٧٬٦٨٠