249
الجزء ٢ · صفحة ٤٢٦﴿ فلمَّا جاوزه ﴾ : أى النهر .
﴿ والَّذين آمنوا معه ﴾ : وهم القليل الذين لم يخالفوه ، قيل : اتفق المفرسون أن الذين عصوا رجعوا إلى بلدهم واختلفوا : هل رجعوا بعد مجاوزة النهر؟ والصحيح أنهم رجعوا قبلها لظاهر قوله : ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ، سواء جعلنا الذين معطوفا على المستتر فى جاوز للفصل بالهاء وبهو جعلناه مبت أو الواو للحال ، ومعه خبره قال ابن عباس والسدى : كان المخالفون أهل شك ونفاق لقوله تعالى :
﴿ قالُوا لا طاقة لنا اليوْم بجالُوت وجُنُوده ﴾ : لكثرتهم وقوتهم ، إذ سمعوا بذلك عنهم قبل أن يلاقهم ، فالضمير فى قالوا للعصاة الشاربين الآخذين للماء فوق ما حد لهم ، قالوا ذلك للمؤمنين ، وبينهم وبين المؤمنين النهر اعتذار أو خذلاناً للمؤمنين ، ونسب هذا للجمهور ، وبه قال الحسن ، وقيل رجع هؤلاء العصاة بعد مجاوزة النهر ومشاهدة جنود طالوت وكثرتهم وقوتهم ، ليناسب قوله : { قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، فإن المعانية أقوى من الإخبار ، والصحيح الأول ، لأن سماعهم بقوتهم وكثرتهم تكفييهم فى الاعتذار لما فى قلوبهم من الجبن لمعاصيهم .
﴿ قال الَّذين يظنُّون أنهُم مُّلاقُوا الله كم مِن فِئةٍ قليلةٍ غلبتْ فئةً كثيرةً بإذْن الله والله مع الصَّابرين ﴾ : الذين يظنون هم القليل كلهم وهم المذكورون بقوله : ﴿ إلا قليلا ﴾ ، وبقوله : ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ، وقيل الضمير فى قوله : ﴿ قالوا لا طاقة لنا اليوم ﴾ ليس للعصاة المجاوزين الحد فى الماء ، بل للقليل الذين آمنوا معه ، لكن قسمهم قسمين : قسم محب الحياة وغلبة الخوف من الموت وهم القائلون : ﴿ لا طاقة لنا ﴾ ، وقسم قوى القلب راسخ اليقين ، وهم القائلون : ﴿ كم من فئة قليلة ﴾ الآية ونسب بعضهم هذا القول لأكثر المفسرين ، وذلك أن المؤمنين ولو تساووا فى أصل الاتقاد لكن تفاوتوا فى قوة اليقين والصبر ، وضعفهما ، قيل للحسن وهو قائل بهذا القول : أليس الذين جاوزوا كلهم مؤمنين؟ قال : بلى ، ولكن تفاضلوا ومعنى يظنون يتيقنون ، استعير لفظ يظن لتوقيف استعارة تبعية لاشتراك الظن واليقين فى الدلالة على تأكيد الاعتقاد ، وملاقاة الله الموت ، ومعنى إيقانهم بالموت : علمهم به علما حقيقيا ، وهو المصحوب بالعمل لما بعد الموت ، قال قتادة : لقاء الله الموت ، وذلك كما قال A :