252
الجزء ٢ · صفحة ٤٣٧﴿ وآتَيْنَا عيِيسَى ابْنَ مَرْيمَ البيِّناتِ ﴾ : خصه بالذكر لإفراط اليهود فيه ، إذا نفوا رسالته ورموه بالكذب ، وإفراط النصارى فى تعظيمه إذ قالوا إنه إله أوابن إله على خلافهم الفاسدن فبين الله أنهُ من الرسل ، ولهُ بينات لا غير رسول ولا إله ، أو ابن تالله ، وجعل معجزاته سبب تفضيله على من فضل كإحثاء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، وخلق الطير من الطين بإن الله .
﴿ وأيَّدنَاهُ بِرُوحِ القُدُس ﴾ : قويناه جبريل كان معه يسير حيث سار ، حتى رفع فى السماء السابعة ، ومر الكلام فيها ، وقيل : خص موسى وعيسى بالذكر ، لأن آيآتهما محسات تظهر للحاذق والأبله ، ومع ذلك فما أوتى نبى بمعجزة إلا وقد أوتى سيدنا محد A بها أو بمثلهلا ، وما أوتى به أقوى وأبقى ، وكان شرعه خاتما وناسخا لما قبله مما يدخلهُ النسخ غير منسوخ ، وكان شرعه أخذ الجزية إلى نزول عيسى ، وبعده القتل إلى قيام لاساعة ، وكان قوم موسى مغرمين بالسحر ، وهانت معجزاته طبقها : كقلب العصى وبياض اليد وقوم عيسى بالطب ، فكانت معجزته طبقا كإحياء الموتى وابراء الأكمه وأهل عصر محمد A بالفصاحة والبلاغة ، فتحداهم بالقرآن فصاحة وبلاغه .
﴿ ولوْ شاءَ اللّهُ ﴾ : أن يهدى الناس جميعا ، أو ألا يقتلوا كفراً .
﴿ ما اقْتَتَل الَّذينَ مِنْ بعدِهِمْ ﴾ : أى من بعد الرسل وهم اسمهم .
﴿ مِنْ بعْدِ ما جاءتهم البَيناتُ ﴾ : لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضاً ، لو شاء الله فساد الأرض ما أقتتل المسلمون مع الكفار ، فيكون كقوله ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ ، والآية دليل على إن الله شاء كفر الكافر وأراه وليس كذلك حبا ، بل قضاء ، فأخطأت المعتزلة إذ قالوا : لا يشاء الله الشرور ، فقالوا : قد يقع ما لا يشاء الله وهو عصبان العاص ، ويشاء ما لم يقع كإيمان الكافر ، وطاعة العاصى ، فدعاهم ذلك إلى تفسير المشيئة بالقهر .
﴿ ولكنِ اخْتَلفُوا فمنِهم مَّنْ آمَنَ ﴾ : بالبيات لتوفيق الله إياه فضلا .
﴿ مِنْهُم مَّنْ كَفَر ﴾ : بها لإعراضه عنه بخذلانه كالنصارى ، لم يبق شئ إلا كفروا به فكفرهم بعسى جعلهم أياه إلها أو ابن الله ، وكفرهم بالبعث قولهم إنما تبعث الأرواح .
﴿ وَلوْ شاءَ اللّهُ ما اقتتلُوا ﴾ : بأن يؤمنوا كلهم ، فلا يكون قتال على كفر ، وكرر هذا للتأكيد .
﴿ ولكنَّ الله يْفْعلُ ما يُريدُ ﴾ : مِن توفيق هذا فضلا ، وخذلان ذاك عدلا ، وحديث على وغيره فى القضاء بسطته فى شرح النيل ، وحاصله : أنهُ لا جبر هناك ، والله خالق للفعل ، والبعد كاسب ، وكسبه باختياره ، وبخلق الله . وسأل رجل عليا عن القدر فقال : يا أمير المؤمنين خبرنى عن القدر؟ فقال : طريق مظلم فلا تسلكه ، فأعاد السؤال فقال : بحر عميق فلا تلحقه ، فأعاد السؤال فقال : سر الله قد خفى عليك فلا تفشه .