هميان الزاد إلى دار المعاد امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

258

الجزء ٢ · صفحة ٤٥١

﴿ قالَ ﴾ : قال الذى حاج إبراهيم .

﴿ أنا أُحيْى وأُمِيتُ ﴾ : هكذا قال مجملا فقال لهُ إبراهيم : أرنى ذلك ، فدعا برجلين فخلى أحدهما فذهب حيا فسمى ذلك إحياء ، وقتل آخر فسمى قتله إماته ، ويمكن أن يريد من أول مرة إذ عندى ذلك النوع مكابرة منه ، زاعما أن ترك الحى وقتل الآخر نوع إحياء وإماتة وذلك منه خطأ ، لأن كل قادر يشاركه فى ذلك حتى البهائم والجعل ، ثم إنه كيف ترك القتل إيحاء وإنما هو إمساك عن قتله لا يسمى إحياء إلا مجازا يسمى القتل إماتة ، وإنما تسبب فيه كيف يكون مميتاً ولا يدرى أين وصلت روحه ، وحيث هى بالحقيقة ومتى تخرج كلها * قال أبو عمرو الدانى : ﴿ أنا أحيى وأميت ﴾ ، ﴿ وأنا أول ﴾ ﴿ وأنا أنبيئكم ﴾ وشبه إذ كان بعد أنا همزة مضمومة أو مفتوحة لإثبات الألف وصلا ووقفا ، وروى أو نشيط عن قالون إثباتها مع المكسورة فى قوله : إنا إلا ، وما أنا إلا والباقون يحذفون الألف فى الوصل خاصة؛ وكلهم يثبتها فى الوقف ، وفى ذلك لغات قررتها فى النحو ، ومنهن تلك القراءات .

﴿ قال إبراهيم فإنَّ الله يأتى بالشمسِ منَ المشرق ﴾ . من جنس مشرقها ، أى من جنس المشارقة التى تشرق منها ، وهى المنازل وما يسامتها من الأرض أو الحبال يحسب ما يفهمه نمرود عنه ، والفاء فى جواب شرط محذوف ، أى أن موهت ولست على الجهلة فى الإحياء والإماتة ، فإن الله يأتى بالشمس إلخ * بل هذه الفاء تعليلية قامت مقام فاء الجواب ، أى إن موهت لم يتم لك التمويه لأن لناجحة لا تجد معها تمويها هى أن الله يأتى بالشمس من المشرق ، فإن كنت لها كما تدعى :

﴿ فَأتِ بِها مِنَ المغْرِب ﴾ : وهذه الفاء فى جواب شرط محذوف أيضاً كما رأيت والباءات للتغيذية ، أى يصير الشمس آتية من المشرق فصيرها آتية من المغرب ، والمغرب جنس مغاربها انتقل له إبراهيم عليه السلام من دليل التمويه إلى هذا الديل لظهور عجزه عن اضطراره إلى التمويه عند كل حاضر وسامع ، وقد علم أنهٌ عارف بعجز نفسه ، ولذلك لم يقل لهٌ بل اجعل الحياة حيث لم تكن ، أو أحيى من قتلت ، ولو قال ذلك فيموه نمرود لإجابته أيضاً ، وكأنه قال : قد أفحمتك وأزيدك إفحاماً أقوى ، وهو أن لا إله يأتى بالشمس من حيث شاء وأنت لا تقدر عليها أن تأتى بها من موضع غير الذى تأتى منه ، فليس ذلك من إبراهيم انتقالا من دليل ، قبل الإيضاح به والتسليم له إلى دليل آخر ، وذلك غير محمود ، واستدل فى الكشاف بالآية على جواز الانتقال عن دليل الآخر ، والحامل على ذلك لنمرود بطر الملك أو اعتقاد الحلول فى المواضع بالله سبحانه ، وعنه تعالى ، فصار يتناول أن يفعل كل ما يفعل الله ، قال : قد وردت الآية من الشكل الأول ، يعنى أن يكون الحد المكرر محمولا فى الصغرى موضوعا فى الكبرى ، هكذا أنت لا تقدر أن تأنى بالشمس من المغرب ، ومن لا يقدر على الإتيان بها منه فلي برب ، فأنت لست برب .

٩٥١ / ٧٬٦٨٠