286
الجزء ٣ · صفحة ٢٩﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إلاَّ وُسْعَها ﴾ : ضاقت الصحابة ذرعا بما يخطر فى بالهم من الوسوسة فى صف الله سبحانه وتعالى ، ومن الاتهام بالمعاصى ، فنزل هذا فى أنه تعالى لا يؤاخذهم بمجرد الخاطر ، لأنه كتب لهم فيه ولا رضى ، فهذا مع قوله : ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ ، من كلام الله معترض بينما قال المؤمنون ، قال ابن عباس : وأكثر المفسرين نسخ ذلك حديث السنن لما نزل : ﴿ وإن تبدوا ما فى أنفسكم أو تخفوه ﴾ عج المؤمنون ، وقالوا يا رسول نتوب من عمل اليد والرجل والسان فكيف نتوب من الوسوسة ، وحديث النفس ، فنزلت : ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ ، قلت ونزل معه فيما أظن قوله تعالى :
﴿ لهَا مَا كَسبَتْ ﴾ : من خير .
﴿ وَعَليْها ما اكْتَسَبَتْ ﴾ : من شر ، لأن معناه لا مؤاخذة بالوسوسة ، لأنه ليس كسبا لها وإنما يجازى بما اكسب أو اكتسب غيره ، أو اكتسابه إلا أن فى تسمية ذلك نسخا بحثا تقدم ، والوسع الطاقة ، والمعنى لا يكلف الله نفسا بما لا يدخل تحت قدرتها : ولا يكلف الله نفسا بما يتوقف فصوله على صرف تمام قدرته ، وإنما يكلف بما يقدر على ما هو أشق منه ، ألا ترى أنهم يطيقون على صوم شهر ويوم أو شهر ويومين وأكر ، وعلى صلاة أكثر من خمس الصلوات ، وعل أكثر من خمسة دراهم ، وهكذا ومثل الوسوسة فى ذلك ما يفعلى بلا عمل فإن التكليف على الخطأ والنسيان تكليف بما يخرج عن وسع النفس لما طلبوا المغفرة ، قال لهم الله تعالى : هى لكم ، وأما ما لا عمد لكم فيه ولا اختيار فليس مما كلفتم به ، فليس من ذنوبكم . ويجوز أن يكون : ﴿ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ﴾ إلى آخره من كلام المؤمنين ، لأن ما قبلهُ وما بعده منهم ، أى وقالوا : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، ولك ألا تقدر القول ، كأنهم قالوا : كيف لا نسمع ولا نطيع والله لا يكلف إلا طاقتنا ، وأعلم أن التكليف بالمحال غير واقع من الله وغير جائز عليه ، لأنه يستلزم من الظلم ، ﴿ وما ربك بظلاَّم للعبيد ﴾ ، والقول بجواز مالا يجوز على الله مع عدم وقوعهه ، والقول بوقوعه سواء فى الكفر والمنع ، فالآية ولو لمتكن نصافى منع ذلك لأنها مجرد إخبار أبانه لم يقع ، لكن انتفاء الظلم عنه تعالى يوجب أن تكليف ما فوق الطاقة غير جائز كما أنه غير واقع ، وكما حملنا ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴾ على الوجوب ، مع أن اللفظ غخبار لقرينة وجوب الإيمان ، وأما أن يخلق الله للإنسان أو غيره ما يطبق به على عمل شئ ، وقد سبق القضاء ألا يعمله ، فليس تكليفا بالمحال ، لأنه امتنع باختياره لا بالجبر ، وقرأ ابن أبى عبلة : وسعها بفتح الواو ، وإنما نستعمل فى الكسب الخير والاكتسباب فى الشر ، لأن النفس مائلة إلى الشر فهى فى تحصيله مجتهدى ، فناسب فيه لفظ اكتسبت لدلالته على العلاج ، وبخلاف الخير فليس مائلة إليه .