266
الجزء ٢ · صفحة ٤٧٩فغضب وقال قالوا : تعمل أولا نعلم : فقال ابن عباس رضى الله عنهما : فى نفسى منها شئ يا أمير المؤمنين : قال : قل با ابن أخى ولا تحقر نفسك . قال : ضرب مثلا لعمل . قال : لأى عمل؟ قال : الرجل : عنى بعمل الحسنات ثم بعث الله له الشيطان فعمل المعاصى حتى غرق أعماله كلها . فرضى عمر ذلك منه ، وبمثل ذلك قال مجاهد وغيره ، وعن قتادة والحسن : هذا مثل قل والله من يعقله من الناس فاعقلوا عن الله أمثاله شيخ كبر سنه وضعف جسمه ورق عظمه وكثر عياله ، وكان أحوج ما يكون إلى جنته فاحترقت ، فإذا انقطعت الدنيا عن أحدكم وجاء يوم القيامة حين يكون أحوج إلى عمله ، فإنه لا يمكن أن يحب أن يقل عمله حينئذ وهو أفقر ما كان إليه ، وذلك فى من أنفق ماله وأبطله بالمنّ والأذى ، أو بالرئاء ، فلا يجد له ثواب حين يبعث ، فالمثال عائد إلى قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا ﴾ الآية ، وفى روياة عن مجاهد : هذا مثال المفرط فى العمل الصالح حتى يموت عليه ، وكل تفسير فإن صاحب تلك الجنة المحترقة يصيبه من الغم شئ عظيم ، ومن لا يعمل أو أبطل عمله غمه يوم القيامة أعظم لا يقدر قدره إلى الله ، ومن ذلك من علم العلم وترقى للملكوت ، ثم نكس إل الهوى والنفس والشيطان ، فإن ذلك إبطال لثمرة علمه ومكاشفة الملكوت .
﴿ كَذلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُم الآياتِ لَعلَّكُم تتفكَّرونَ ﴾ : إذا تليت على من يتأملها رجى له التدبر بها والتفكر ، أو لتتفكروا وعن ابن عباس : ﴿ لعلكم تتفكرون ﴾ فى زوال الدنيا واستقبال الآخرة ودوامها ، والمراد بالآيات الدلائل المذكورة فى قوله : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم ﴾ ، إلى قوله ﴿ فاحترقت ﴾ أو نفس الآيات المذكورات ، أى يبينها لكم على ذلك الوجه الذى بينها لكم ، وليس المراد عادة تبيينها ، بل حكاية حال التبيين بعد انقاضئه وتصيره ، كأنه حاضر ، ويجوز أن يراد بالآيات غير ذلك من الآيات ، أى يبين الله لكم سائر الآيات ، كما يبين لكم هؤلاء الآيات ، فلا يهلك هالك إلا على العناد .