سورة الفجر
الجزء ١ · صفحة ١٥٨الخطاب ابتداء لرسول الله ولكل من يتلو القرآن ويتدبره، وفيه تثبيت للرّسول وتهديد لكفار قريش ومن هم على شاكلتهم بأن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك الأقوام بدءا بقوم عاد، و (اِرَمَ): هو جدّهم الأعلى: إرم بن سام بن نوح. ووصفه بذات العماد كناية عن قوتهم وبطشهم كما وصفهم الله في آيات أخرى بأنهم إذا بطشوا بطشوا جبّارين. وقوله تعالى: (لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ) لما شيدوه من القلاع والحصون لقوله تعالى على لسان رسولهم هود عليه السلام: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ -ايَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) (الشّعراء:128 - 129). وأما ثمود فهم قوم صالح عليه السلام سكنوا بالحجر في شمال الجزيرة وهم من بقايا من آمن بهود عليه السلام نزحوا من الأحقاف إلى تخوم الشّام فكانوا ينحتون من الجبال بيوتا احتياطا من الرّيح الصّرصّر التي أهلكت أجدادهم فأخذتهم الصّيحة.
(وَفِرْعَوْنَ ذِي الاَوْتَادِ): إما كناية عن قصورهم وقوتهم، أو كناية عما خلفوه من الأهرامات الضّخمة التي تشبه الأوتاد المقلوبة المركزة على الأرض على مرّ الدّهور، وقد وصفهم الله بالطّغيان والفساد فقال: (الذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلاَدِ، فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ)، وقد فصّل القرآن ذلك الفساد سيما ما سلطوه على بني إسرائيل من القهر والعذاب حتى أنقذهم الله بموسىعليه السلام فكان هلاك فرعون وجنوده غرقا في البحر. وقد رمز الله إلى ذلك بفعل: (فَصَبَّ عَلَيْهِمْ)، وفي التّعقيب يأتي قوله تعالى: (اِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)، والإظهار في مقام الإضمار وباختيار الإضافة التشريفية إلى كلمة: "الرّب" فيه التّأكيد على إحاطة علم الله بأفعال خلقه بحيث لا يفلتهم من عذابه وأنه من شأنه أن ينتصر لأوليائه، ولا يخفى ما في ذلك من تطمين رسول الله وتهديد للمشركين، والله أعلم.
عاقبة المتمادي في طلب الدّنيا،