سورة البلد
الجزء ١ · صفحة ١٦٩ولعل قوله تعالى: (وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ) يرشح ما ذهب إليه بعض المفسّرين بأن المقصود منهما سيّدنا إبراهيم وولده إسماعيل عليه السلام هو الجدّ الأعلى للعرب، وذلك مما يعضد شرف البيت وحرمته، والبعض يرى أن المراد بهما هو آدم وذريته، غير أن المحققين لا يرون التّحديد بل يختارون أن يبقى اللّفظان على إطلاقهما ليشمل كل والد وما ولد من إنسان أو حيوان لأن ذلك أدلّ على قدرة الله، وحكمته في تسخير التّوالد والتّناسل. ثم ذكر المقسم عليه فقال: (لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي كَبَدٍ)، والكبَد الشّدة والمعاناة.
إن الكبد والتّعب من طبيعة الحياة في كل مراحلها بالنسبة للكائن الحيّ منذ أن يخلق جنينا في بطن أمّه، ناهيك مخاض الولادة وصرخة الوليد لبدء دورة الحياة في أجهزة جسمه وبخاصّة الإنسان -وهو الكائن الممتاز- كيف يعاني والداه من متاعب تربيته رضيعا وصبيا وغلاما مراهقا حتى إذا بلغ أشدّه وتحمّل مسؤوليته واجهته مشاكل الحياة في شتى مجالاتها وإذا قدّر له أن يعمّر ناوشته تداعيات الشّيخوخة والهرم، فكيف به إذا خاف مقام ربّه ونهى النّفس عن الهوى وطلب الجنة وغالب وعورة مسلكهما فلا يقرّ له قرار إلا في جوار ربّه إذا كان من السّعداء وليس بمستريح إذا كان من الأشقياء يقول الشّاعر:
تعب كلها الحياة فما … أعجب إلا من راغب في ازدياد
هي الدّار ما الآمال إلا … ودائع وما اللذّات إلا مصائب
وليت الإنسان يستصحب في مجرى حياته هذه الحقيقة، ولكنه مفتون بقوته وماله مغرور بدعاويه المفرطة قال تعالى: (أَيَحْسِبُ أَن لَّنْ يَّقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَدًا، اَيَحْسِبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ، اَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ، وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ).