سورة البلد
الجزء ١ · صفحة ١٧٠تناولت هذه الآيات بيان طبيعة الإنسان، والحكم في ذلك على المجموع لا على الجميع، وجيء بالاستفهام الإنكاري التّوبيخي؛ لأن الإغترار بالقوة ومن أخسّ الدّوافع إلى ذلك الفتون بالمال وإنفاقه في إرادة تعزيز الجانب بكثرة الأتباع، أو إنفاقه في إرضاء الشّهوات وإشباع النّزوات كما قال طرفة بن العبد وعنترة وكلاهما يمثل سفاهة الجاهلية وحماقتها فيقول طرفة:
ولو أنني أسعى لأدنى معيشة … كفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنني أسعى لمجد مؤثّل … وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
ويقول عنترة:
فإذا شربت فإنني مستهلك … مالي وعرض وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى … وكما علمت شمائلي وتكرّمي
وقد روي في أسباب النّزول: أنّ الآية نزلت في أبي الأشدّ بن كلدة الجمعي: أنه كان مغترا بقوته البدنية، قال ابن عباس: كان ّأبو الأشدّ يقول: أنفقت في عداوة محمد مالا كثيرا، وهو في ذلك كاذب. والتّمييز بفعل: (أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَدًا) يعكس مدى طغيان صاحب المال بوفرة ماله بحيث أنه لا يبالي بذلك القدر الذي أنفقه لطلب الشّهرة والسّعة أو لطلب اللّذة والمتعة، ويعتقد هؤلاء أنهم في حلّ من أمرهم ليس عليهم رقيب ولا حسيب، وأما ما جمعوه من تلك الأموال كان بفضل ما اكتسبوه من علم وحيلة وينسون فضل المنعم وأنه عليم بما يفعلون ومحاسبهم على ما يقترفون، فردّ الله على ذلك الزّعم الخاطئ بهذا الاستفهام الإنكاريّ مرة أخرى فقال: (اَيَحْسِبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ).