سورة الشّمس
الجزء ١ · صفحة ١٧٦قال تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَآءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالاَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا):
يقسم الله تعالى في مفتتح السّورة بسبع ظواهر كونيّة تباعا ويدمج معها النّفس الإنسانية في تسوية خلقتها وتزويدها بالاستعدادات الفطرية ليركز في جواب القسم تبعة الإنسان الشّخصية في توجيه نفسه وتبعته في مصيرها، ويكون القاسم المشترك بين تلك الظّواهر هو التّغيّر والتّبدّل من ضياء النّهار إلى ظلمة اللّيل ومن ارتفاع السّماء إلى انخفاض الأرض، ومن النّفس النّقية إلى النّفس الفاجرة، فبدأ الله قسمه بالشّمس لأنها الأعظم والأكثر نفعا للمخلوقات، ولذلك أطنب الله في ذكر أوصافها الأربعة عند الضّحى وفي كامل النّهار، وعند انعكاس ضوئها على وجه القمر، وعند اختفائها في ظلمة اللّيل، فهي مضيئة ذاتيا على الدّوام سواء أشرقت أم غربت، وهي أروع ما تكون عند الضّحى إذ تنبعث الكائنات لممارسة نشاطها، وتدبّ الحياة من جديد بعد هدأة اللّيل وسكونه، وتلوّ القمر لها إنما يكون بعد مغيبها، سيما من بزوغ الهلال إلى اكتماله في اللّيالي البيض، إذ يمتدّ ضياؤه مع طول اللّيل.
والضّمير في قوله تعالى: (وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا)، الأرجح أنه يعود إلى الشّمس، فيكون في التّعبير مجاز عقليّ من إطلاق السّبب وإرادة لازمه المسبّب عنه، والمعنى أن وقت اللّيل كان سببا في ستر الشّمس عن سكان الأرض. ويرى بعض المفسّرين أن الضميرين في: (جَلاَّهَا)، (يَغْشَاهَا) يعودان إلى الأرض.