سورة الشّمس
الجزء ١ · صفحة ١٧٨إن هذا الرّبط بيّن النفس البشرية واستعداداتها الفطرية وبين حقائق الكون ومشاهده الكبرى، إنّ لهذا الرّبط فائدة ومعنى عظيما يضفي على هذا الإنسان معنى التّكريم والتّفعيل الذي أشارت إليه آية الإسراء في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (70). ثم هو من جهة أخرى يضع الإنسان أمام مسؤولية نفسه وتبعاته الشّخصية في مصيرها، إذ أنه تعالى يقدّر تصرّفه ومشيئته بالإنسان وفق الواقع الذي يختاره هذا الإنسان وهو كامل الوعي بما يأخذ وما يذر، مطلق الإرادة بما يختار.
ثم يقول تعالى في المقسم عليه: (قَدَ اَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)، قابل الله بين التّزكية وفي معناها التطهّر والنّماء والبركة والمدح، وبين التّدسية، وفي معناها الإفساد والإخفاء، وهي ضدّ التّزكية، وكل من التّزكية والتّدسية تنبثق عن فعل إرادي يوجّه الإنسان إلى تحقيق إحداهما في سلوك عملي يدرك الإنسان نتائجه ويتحمل تبعته، فيحقق لنفسه الفلاح دنيا وأخرى بالتّزكية والعمل الصّالح، ويخيب عند التّدسية باتباع هواه وإشباع شهواته.