سورة اللّيْل
الجزء ١ · صفحة ١٨٤(وَأَمَّا مَنم بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى): وعلى نقيض السّعي الأوّل ممن بخل بما أنعم الله عليه من مال أو من الحظوظ الدّنيوية الأخرى واستغنى عن ثواب الله وحسن توفيقه إرضاء لشهواته واغترارا بقوته وحيلته وكذّب بالجزاء الأخرويّ، فإنّ الله تعالى يكله إلى نفسه فتعسر عليه الأسباب، وتنغلق أمامه الأبواب فيكابد في كلّ ما يطلبه المتاعب والصّعاب، فيبعد عن طريق الله، ويتردّى في المهالك فلا ينفعه ماله الذي بخل به، بل يزداد به حزنا وغمّا وهو لا يغني عنه شيئا.
وقبل الحديث عن مصير كلّ فريق وما ينتظره في الحياة الأبدية أقام الله الحجة على عباده إذ بيّن لهم طريق الرّشاد، وبشّر وأنذر وأوضح لهم بأنّه مالك الدّنيا والآخرة، وأنه غنيّ عن عباده، لا تنفعه طاعتهم ولا تضرّه معصيتهم فقال: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، وَإِنَّ لَنَا لَلاَخِرَةَ وَالاُولَى).
وكان من رحمة الله وفضله أنه لم يترك خلقه همَلا تناوشهم الحيرة والتّيه بقصور مداركهم في التّمييز بين الحق والباطل، وبين الضّلال والهدى، إذ أوجب على نفسه أن يرشدهم إلى طريق الهدى بإرسال الرّسل وإنزال الكتب تبيانا للتكاليف الشّرعية من أحكام الحلال والحرام في العبادات والمعاملات، وفي الآداب والأخلاق.
وحتى لا يغترّ النّاس بحرية اختيارهم لما يدينون به فإنه تعالى يقرّر هيمنته الكاملة على شؤون خلقه في الدّنيا والآخرة فلا يجدون من دون الله موئلا ولا نصيرا، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها، لأن من ملك الدّنيا والآخرة هو الغنيّ الحميد يعطي ما يشاء لمن يريد.