نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة اللّيْل

الجزء ١ · صفحة ١٨٣

ويبيّن الله في المقسم عليه بأنّ سعي النّاس كذلك مختلف، وهم على محكّ الاختيار في حياتهم الدّنيا، وذلك بالقياس على موازين الحق والعدل ومعايير الأخلاق الكريمة التي تنزلت بها الرّسالات السماوية، فليس الهدى كالضّلال، وليس الصّلاح كالفساد: (أَفَمَن كَانَ مُومِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ) (السّجدة:18).

وتبدو حكمة الله في ذلك التّنوّع وذلك الاختلاف حتى بترتب الجزاء لكل صنف وفق اختياره للمنهج الذي يسلكه، فهما منهجان يفضي كل منهما إلى النتيجة المستحقة: (فَأَمَّا مَنَ اَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنم بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى، وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى).

لم يذكر مفعولا (اَعْطَى وَاتَّقَى) ليشملا كلّ أوجه الخير في التّصدّق بما فضّل الله به على عبده من أنواع النّعم من مال أو جاه أو جهد أو رأي، وإن كان التّصدّق بالمال هو الأكثر نفعا وأوفر طلبا شريطة أن يقصد بذلك وجه الله ويتقي غضبه وسخطه ويصدّق بوعده لعباده المتقين، وقد اختلف المفسّرون في تحديد معنى: (الْحُسْنَى) وهي مؤنث "الأحسن"، ويتلخص ذلك فيما حسّنه الشّرع الحنيف مما وعد الله به عباده المتقين من الأجر والثّواب والنّعيم المقيم، وجواب الشّرط هو قوله: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)، والتيسير جعل الشيء سهل الحصول، و (لِلْيُسْرَى): من اليسر، أي ما لا مشقة فيه، أي يوفقه الله إلى تحقيق كل ما يتمناه بأيسر الوسائل فيكون بذلك قد سلكه الله مع رسوله، إذ وعده بذلك في سورة الأعلى فقال: (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى) (8). وذلك وعد الله لكلّ من يخشاه ويتقيه: (وَمَنْ يَّتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنَ اَمْرِهِ يُسْرًا) (الطّلاق:4).

٦٬٣٦٢ / ٦٬٧٦٧