سورة الضّحى
الجزء ١ · صفحة ١٩٠الاستفهام تقرير لحالات ثلاث مرّ بها رسول الله في حداثته وريعان شبابه كان يمكن أن تكون مصدر قلق له لولا لطف الله به، وأن ذلك يعطي انطباعا للمشركين بأنّه تعالى يحقّق لرسوله ما وعده به مستقبلا، إذ هم لا يجهلون ذلك في ما عاينوه من استقامة نشأته بينهم عساهم يكفكفون من عنادهم.
أ) - (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَئَاوَى): وقد نشأ الرّسول يتيم الأب، إذ توفي قبل ولادته، ثم فقد أمّه وهو ابن ست سنوات، فآواه الله، بمعنى ضمن له الكفالة اللازمة تحت رعاية جدّه عبد المطلب ثم عمّه أبي طالب، فلم يشعر الرّسول في كنفهما بغربة اليتم، بل إن عمّه أبا طالب كان يغدق عليه من رعايته وحنانه بأكثر مما كان يفعله بأولاده سواء قبل بعثته أو بعدها فنشأ سويّ البنية معتمدا على نفسه.
وما أروع التّعبير: (أَلَمْ يَجِدْكَ) عوضا عن: ألم يجعلك يتيما، تحرزّا من نسبة الضّرّ إلى الله تعالى وتأدّبا من مقامه.
ب) - (وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى): والضّلال هنا بمعنى الجهل والحيرة في تلمّس مسالك الهدى ومعرفة أصحّ العقائد وأقوم العادات والممارسات إذ كان عليه السلام يستنكر ما كان عليه قومه من الشّرك وعبادة الأوثان وما يمارسه شباب قومه من أنواع الفواحش والمنكرات حتى حببت إليه العزلة في غار حراء قبل سن الأربعين للتأمّل في عظمة الكون والتّقرب إلى خالقه. فليس الضّلال هنا مقابلا للهدى لأن الأنبياء معصومون من الكبائر قبل بعثتهم وبعدها.
جـ) - (وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فَأَغْنَى): أي نشأت فقيرا محتاجا فيسّر الله لك من أسباب الرّزق ما أغناك به عن السّؤال، إذ ربحت تجارته مع خديجة، ثم تزوّجها، كما أغناه الله بالقناعة والبركة وهو القائل: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النّفس».(1)
(1) - رواه البخاري من حديث أبي هريرة، كتاب الرقاق، باب الغنى غنى النفس، رقم 6446.