سورة الشّرح
الجزء ١ · صفحة ١٩٦ب) - والمنّة الثّانية هي قوله تعالى: (وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ، الذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ)، فاختيار ضمير العظمة في ذكر المنن الثّلاث هو للتعظيم والشّريف، وأصل الوضع هو حطّ الشّيء، وتعديته بـ (عَن) معناه إزاحته، و (وِزْرَ) هو الحمل الثقيل، ويطلق معنويا على الذّنب، كقوله تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (الزّمر:7). فالمراد بالوزر هنا بالنّسبة لرسول الله هو الغمّ والحزن مما كان يعانيه من أعباء الرّسالة إذ خففه الله عنه بشرح صدره وتيسير أمره، وتزويده بالمدد الرّوحاني من وحي السّماء، أما الوزر بمعنى الذّنب فإن الرّسول قد عصمه الله من كبائر الذّنوب ووضع عنه صغائرها مما عاتبه الله عليه بدليل آية سورة الفتح: (لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) (الفتح: 2).
جـ) - المنة الثالثة: هي قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)، وأي ذكر في الأولين والآخرين هو أرفع من ذكر رسول الله بل وفي الملإ الأعلى، فهو مقرون باسم الخالق في الإقرار بالشّهادتين، ومقرون به في الإعلان عن الصّلاة كما قال حسان:
وضمّ الإله اسم النّبي إلى اسمه … إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد
واقترن اسمه بدعوته التي سارت في مشارق الأرض ومغاربها ويبقى خالدا على مسمع الدّنيا ما دام فيها إسلام وقرآن يتلى، وفي الآخرة له المقام المحمود والحوض المورود وله الشّفاعة العظمى وأرفع الدّرجات من عليين في دار الخلود.