سورة الشّرح
الجزء ١ · صفحة ١٩٧وبعد التّذكير بتلك النّعم تتصدر الجملة اللاحقة بالفاء الفصيحة لتربطها بما سبقها للإفصاح عن مشيئة الله التي اقتضت أن يأتي اليسر بعد العسر، والفرج بعد الضّيق فقال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، اِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)، جاء اليسر نكرة للدلالة على التّفخيم والتّعظيم من شأنه، و (مَعَ) للمصاحبة، أي هو يتبع العسر حتى لكأنه يتولّد من رحمه كما قيل: الفرج يتولّد من رحم الأزمة، وقال الشّاعر:
اشتدّي أزمة تنفرجي … قد آذن ليلك بالبلج
وتكرار الجملة هو للتّأكيد، بأنه تعالى سيغيّر من حاله في مستقبل الأيام فيحقق له النّصر والتّمكين والعزّ والغنى، وجاء في الرّواية أن الرّسول لما نزلت الآيتان، خرج لأصحابه وهو يبتسم وقال: «لن يغلب عسر يسرين».(1)
ولذلك تعددت أقوال المفسّرين في تحديد مجال اليسرين فقالوا: يسر الدّنيا والآخرة، أو هو يسر بعد يسر في حياة النبي وبعد وفاته، والأولى أن يقال: إن المقصود باليسرين: الجنس، ليكون حكما شاملا لجميع النّاس سيما للمؤمنين الذين لا يقنطون أبدا من رحمة الله.
أيها البائس مت قبل الممات … وإذا شئت حياة فالرجا
لا يضق ذرعك عند الأزمات … إن هي اشتدت وأمّل فرجا
ويأتي في ختام السّورة هذا التّوجيه الرّباني لرسول الله وقد اطمأن قلبه لوعود ربّه وتحفزت نفسه الشّريفة لشكر نعمه، فيأمره الله بالاجتهاد في تبليغ رسالته بدون كلل أو ملل: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ).
(1) - رواه البيهقي في شعب الإيمان من حديث الحسن، رقم 9541.