سورة التّين
الجزء ١ · صفحة ٢٠١والمقسم عليه هو قوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الاِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)، المقسم عليه جاء للتعريف بحقيقة الإنسان شكلا ومضمونا، والخلق هو تكوين الشيء وإيجاده على غير مثال سابق، وخلقة الإنسان في شكله وصورته مجلى لبديع صنع الله وقدرته ودليل قاطع على حسن تكريمه وتمييزه على سائر المخلوقات بقامته المنتصبة ورأسه المرفوع وأعضائه المتناسقة وهو الممتن المتكرم عليه بقوله: (يَآ أَيُّهَا الاِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَّلَكَ، فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ) (الانفطار:6 - 8). ومن ناحية المضمون، فإنه تعالى زوّده بنور العقل والفهم وزوّده بأدوات النّطق ليعبّر عما في خواطره كيف يشاء وبوّأه على الفطرة السّليمة وهداه النّجدين مدفوعا بحسن اختياره ومشيئته، ومتى انحرف عن فطرته، وتنكّر لتلك الميزات منهمكا وراء الشّهوات فإنه يغدو وقود للنار ويتردّى إلى أسفل دركاتها، وقيل: إن المعنى في قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) معناه: رددناه إلى أرذل العمر حين ينتكس في خلقته كما قال تعالى: (وَمَن نُّعَمِّرْهُ نَنكُسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (يس:68). (وَمِنكُم مَّنْ يُّرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا) (الحج:70).
قلت: إنّ كثيرا من المفسّرين رجّحوا القول الأخير ليتناسق مع حسن التّقويم، ولعلهم اقتصروا في خلقة الإنسان على الجانب الشّكلي المادي وأهملوا الجانب الرّوحي المعنويّ، وأرى التّناسب بين المقسم به والمقسم عليه يرجح الجانب المعنويّ في ذات الإنسان؛ لأنه محط التّكريم له من الله تعالى، وبذلك يتمّ التّناسب بين ذكر منازل الوحي وبديع صنع الله في خلقة الإنسان، وذلك يجعل الاستثناء المذكور بعد ذلك متصلا، لتناسق السّورة في كل أجزائها.