نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التّين

الجزء ١ · صفحة ٢٠٢

قال تعالى: (إِلاَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمُ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ): استثنى الله من ذلك التردّي إلى أسفل السّافلين المؤمنين بالمبادئ الأساسية للعقيدة الإسلامية وجسّدوا ذلك الإيمان بالأعمال الصّالحة استقامة على نهج الله وأحكام شريعته، فهؤلاء لهم أجرهم كاملا غير منقوص ولا مقطوع في جنات النّعيم، وأما المعني على القول الثّاني من الانتكاسة في الخلق بالرّجوع إلى أرذل العمر، إذ يكون الاستثناء منقطعا، فيكون المعنى على ما ورد في الحديث الذي أخرجه البخاري عن أبي موسى الأشعريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله تعالى له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحا مقيمًا»، ثم قرأ: (فَلَهُمُ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ).(1)

قلت: والهرم مرض لا يرجى برؤه كما قال ابن عباس في هذه الآية: إذا كبر العبد وضعف عن العمل كتب له أجر ما كان يعمل في شبيبته.

وفي خاتمة السّورة ندّد الله على الكفار لتكذيبهم بالحساب والجزاء فقال: (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)، التفات بليغ من صيغة الغائب إلى الخطاب، والضّمير يعود إلى الإنسان، والرّابط بين السّابق واللاحق، هو فاء التّفريع المتصلة بـ (مَا) الاستفهامية التي تدل على الإنكار والتّعجيب، والمعنى: أي شيء يدعوك -أيها الإنسان- إلى التّكذيب بيوم الحساب والجزاء بعدما تبين لك بالأدلة القاطعة مدى قدرة الله في خلقتك الأولى، فهو القادر على أن يعيد خلقتك مرة ثانية، فماذا يحملك على التّكذيب؟.

(1) - رواه البخاري من حديث أبي موسى، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، رقم 2996.

٦٬٣٨١ / ٦٬٧٦٧