سورة العَلق
الجزء ١ · صفحة ٢١٣ولا شك أنّ هذا التّشنيع وهذا التهديد يشمل كلّ جبّار عنيد ممن يصدّ عن سبيل الله ويصرّ على الكفر والعناد، وإن نزلت هذه الآيات في شأن أبي جهل اللّعين؛ لأن العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب. وبعد ذلك التّهديد المبطّن في تلك الاستفهامات التّعجيبية يجيء التّهديد القويّ الصّريح في ختام السّورة في أسلوب من التحدّي السّافر؛ لأن الحديد لا يفلّ إلاّ بالحديد، فقال تعالى: (كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاَم بِالنَّاصِيَةِ، نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ، فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ)، (كَلاَّ): للزّجر والرّدع، وهو موجّه للمتحدث عنه أبي جهل، وقد أقسم الله بأنّه إن لم يكفّ أذاه عن رسول الله ولم يرتدع عن الشّر والفساد ليَأخذنه الله بناصيته، أي تلك التي تنتفش وتتكبّر، يأخذه بعنف وشدة ليكبّه في جهنم، لأنّ السّفع: هو الأخذ بعنف مع الجدب بشدة، ثم وصف الله تلك النّاصية وصفا مجازيا، ويعني صاحبها بأنها كاذبة خاطئة بكثرة الذّنوب والمعاصي، والأخذ بالنّاصية إذلال.
(فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ): النّادي أو النّدي: اسم مكان يجتمع فيه القوم، ويطلق على الذين ينتدون فيه، وقد قال أبو جهل مفتخرا: إني لأكثر أهل هذا الوادي ناديا، فهو يفتخر بكثرة أنصاره وأتباعه، فجاء هذا التّحديّ الإلهي له، بأن يستجمع أصحابه ويستنصر بهم، بأنه تعالى يدعو زبانية جهنم -وهم الملائكة الغلاظ الشّداد- يجرونه بعنف إلى جهنم -والعياذ بالله-. وأمام هذا التحدي لم يجترئ أبو جهل أن يفعل ذلك؛ لأنه يعلم في قرارة نفسه أن الذي يتحداه هو الله القويّ القاهر، وقد لقي مصرعه بأبشع صورة في غزوة بدر.