سورة البيّنة
الجزء ١ · صفحة ٢٢٦وكان المفروض من أهل الكتاب -وقد كانوا يستفتحون على الذّين كفروا لمجيء الرّسول- كان من المفروض أن يسارعوا إلى الإيمان به، ولكنهم كانوا على العكس أكثرهم مناوئون له إذ لم يكن الرّسول من بني إسرائيل كما كانوا يتمنون، ولذلك بيّن الله سبب ذلك فقال: (وَمَا تَفَرَّقَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنم بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ)، أراد الله تسلية رسوله ببيان طبع أهل الكتاب من اليّهود والنّصارى من إنكارهم للحقّ بعد ظهوره ومعرفتهم له، فهم يعرفون الرّسول محمدا كما يعرفون أبناءهم، وقد جاءهم بالحقّ مصدقا لما معهم. فقوله تعالى: (مِنم بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) الرّاجح أن المقصود بها هو ما جاء في التّفسير السّابق من أنها رسول الله، وعند استنطاقنا لواقع تاريخهم الطّويل فإننا يمكن أن نحمل البيّنة هنا على ما وقعوا فيه من الاختلاف والتّفرق على رسلهم وأنبيائهم سيما في حق عيسى بن مريم عليه السلام فقد تفرقوا إلى شيع من قبل أن يأتيهم ومن بعد ما جاءهم، كما تفرّق النّصارى أنفسهم وما يزالون إلى يوم النّاس هذا.
وقد جاء في حديث لرسول الله مرويّ من طرق عدّة أنه قال: «إنّ اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن النّصارى اختلفوا على تنثين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النّار إلا واحدة؛ قيل: ومَن هم يا رسول الله؟، قال: ما أنا عليه وأصحابي».(1)
وبعد التّقرير لذلك الواقع التّاريخي المؤسف جاء هذا التّوبيخ الضّمني ببيان حقيقة الدّين الصّحيح وجوهره فقال تعالى: (وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُوتُوا الزَّكَاةَ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ).
(1) - رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو، كتاب الإيمان، باب افتراق الأمة، رقم 2641.