سورة العاديات
الجزء ١ · صفحة ٢٣٨قلت: وهذه الرّواية ترجّح مدنية السّورة لأنّ السّرايا لم يبعثها الرّسول إلاّ بعد الهجرة إلى المدينة المنوّرة، يقسم الله في مفتتح السّورة بثلاثة أشياء هي أنشطة للخيل الغازية تتجه نحو المعركة في جري سريع ويسمع صوت زفيرها الشّديد بأنفاسها المتصاعدة قارعة بحوافرها حجارة الأرض الصّلبة فتقدح النّار بشدة الاحتكاك، وهي تغير على جموع العدوّ في الصّباح الباكر حتى تباغته على غرّة، فتخترق صفوفه وتتوسط جموعه، وقد علا وثار غبار المعركة عند المواجهة. ومشهد الخيل وهي على تلك الحالة من النّشاط والاندفاع، وهو يعكس واقعا يعيشه المخاطبون في سبيل النهب والسّلب، غير أنه هنا يوحي بقيم أخرى هي أفضل اعتبارا عند الله لنشر الهدى والفضيلة ونصرة الحق والعدل سوف يكشف عنها الغيب وتستشرفه الدّعوة الإسلامية.
ثم يأتي المقسم عليه أيضا على أمور ثلاثة في قوله تعالى: (اِنَّ الاِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ، وَإِنَّهُ عَلَى ذَالِكَ لَشَهِيدٌ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)، فالمقسم عليه صفات نفسية متمكنة من الإنسان حين يخوى قلبه من الإيمان، وتدسّى نفسه بالضّلال والفجور، وجاءت الجمل في المقسم عليها مؤكدة بـ"إن" واللام، وبتقديم الجار والمجرور على الخبر للاهتمام بمضمونها و"أل" في الإنسان تفيد العموم العرفيّ، أي بتخصيص الإنسان الكافر الذي يتصف بالكنود، وهو كفران النّعمة وجحودهاـ، على أن اختيار صفة الرّبوبية للذات العلية في هذا المقام مناسب لمعنى الرّعاية والحنوّ على الخلق كافة فضلا منه تعالى ومنّة دون مراعاة لموقفهم من تلك النّعمة، ويتمثّل ذلك الكنود في مظاهر شتّى من الأقوال والأفعال التي تعكس ما يكون في النّفس من الدّوافع الخبيثة والخواطر السّيئة، فإذا بكلّ ما يصدر عنه من حركات وتوجهات تشهد على ذلك مهما حاول أن يتظاهر بغير ذلك لأنه كما قال زهير الحكيم:
ومهما تكم عند امرئ من خليقة … وإن خالها تخفى على الناس تعلم