سورة العاديات
الجزء ١ · صفحة ٢٣٩والأرجح أنها شهادة الحال في الدّنيا، وهي أصدق وأبلغ من شهادة المقال يوم القيامة كما ذهب إلى ذلك بعض المفسّرين، أو كما قالوا: إن الضّمير في "إنه" يعود إلى الله، أي يشهد على كنوده فيعاقبه عليه.
والصّفة الثّالثة اللازمة لهذا النّوع من الإنسان هي قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)، ومن معاني الخير المال الكثير، كقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا اِلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180). وحبه الشّديد للمال سببه الحرص على نفسه والمبالغة في حبّ ذاته وحبّ البقاء، وعلى هذا المعنى تأخذ اللام معنى: "في"، أي: (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ)، ويرى البعض أن اللام للتعليل، فيكون "شديد" بمعنى بخيل شحيح، لأجل حبّه الشّديد لذلك المال، وإذا اعتبرنا اللام للتقوية فيكون المعنى: أن الإنسان قويّ الحبّ للمال، يستنفذ كل طاقته في كسبه وجمعه. وكل الاحتمالات صحيحة، والله أعلم.
فهذه هي الصّفات الغالبة على طبع الإنسان، ما لم يمتعه الله بنور الإيمان، فيظل حبيس نزواته حلس شهواته لا يهتم بالقيم الحقيقية التي تنقذه من وهدة الحيوانية وتخلصه من براثين الأثرة والأنانية، ومن ثمّ يفرّع الله هذا التّهديد لهذا الصّنف من النّاس في صيغة الاستفهام الإنكاريّ ويقول: (اَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ، وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ).