نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة التّكاثر

الجزء ١ · صفحة ٢٤٧

قال الله تبارك وتعالى: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)، افتتحت السّورة الكريمة بالخطاب التّلويمي التّوبيخي من الله تعالى لخلقه بصفة عامّة بما فتنوا به من زينة الدّنيا، إذ شغلت أكثرهم عن القيام بواجباتهم نحو الله، ونحو ما يهيّئهم للحياة الباقية، غير أنّ هذا الإخبار التّذكيري يتجه أوّلا إلى المشركين الجاحدين والنّاكرين لليوم الآخر، ويؤيّد ذلك ما يأتي في وسط السّورة وفي آخرها من غلظة الوعيد بورود الجحيم مما لا يليق بالمؤمنين يومئذ، ولكن العصاة منهم والمتمنين على الله الأماني الكاذبة يشملهم ذلك التّلويم والتّوبيخ -لا محالة-، سيما إذا ماتوا على غير توبة.

وقوله تعالى: (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)، هو كناية عن الموت، والتّعبير عنه بزيارة القبور يدلّ على ما سيعقب زائري القبور من الحياة الثّانية؛ لأن الزّائر لا يلبث عند مروره إلا لوقت معيّن يعود بعدها إلى مقصده، وقد علق أعرابيّ عندما سمع هذه الآية فقال: بعثوا وربّ الكعبة. فقيل له في ذلك فقال: لأنّ الزّائر لابد أن يرحل، وقال عمر بن عبد العزيز: لابدّ لمن زار أن يرجع إلى جنة أو نار.

وفي الآيتين توبيخ وتحذير من عواقب الافتتان بالدّنيا إلى حدّ الانتهاء عن طاعة الله والانشغال عن القيام بالتّكاليف الشّرعية، وقد تعدّد مثل ذلك التّحذير في كثير من نصوص القرآن والسّنة إذ قال تعالى:

أ) - (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تُلْهِكُمُ أَمْوَالُكُمْ وَلآَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَّفْعَلْ ذَالِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون:9).

ب) - (يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِنَّ مِنَ اَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التّغابن:14).

٦٬٤٢٦ / ٦٬٧٦٧