نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الهُمزة

الجزء ١ · صفحة ٢٦١

(كَلاَّ): للردع، ولإبطال ذلك الزّعم في شأن المال، وقوله: (لَيُنبَذَنَّ)، اللام هي لقسم محذوف مقدّر، والنّبذ هو الرّمي للشيء الحقير -غالبا-، و (الْحُطَمَةُ) وإن كان وصفا من التّحطيم على صيغة المبالغة فهو علَم بالغلبة من أسماء جهنم؛ لأنها تحطّم كل ما يقع فيها، وهو وصف مناسب لذلك النّموذج البشري المتعجرف بماله في كبرياء وغرور، تحطم النّار جسمه وعظامه كما تحطّم كبرياءه وغروره. وللتفخيم من شأنها وتهويل أمرها يجيء الاستفهام بقوله تعالى: (وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ)، أي ما الذي أعلمك بحقيقة تلك النّار؟. إنها فوق الإدراك البشري في هولها وبشاعتها والله وحده هو المبيّن لحقيقتها بقوله: (نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ، التِي تَطَّلِعُ عَلَى الاَفْئِدَةِ)، أي هي نار الله المشتعلة، وإضافتها إلى لفظ الجلالة والتي تفردت بها هذه السّورة هي لزيادة التّرويع فهي من إعداد الله ضمن المخلوقات العظيمة لا يخبو لهيبها ولا يفتر، وقد ذكر الله بأن وقودها النّاس والحجارة وهو يعطي لها هنا وصفا آخر بأنها تطّلع على الأفئدة، والاطلاع يأتي بمعنى الكشف والمشاهدة، أو هو بمعنى الإتيان السّريع والأفئدة جمع: "فؤاد"، أي القلب، على اعتباره مستودع العواطف ومقرّ النّوايا والمقاصد.

ولما كان هؤلاء الطّغاة قلوبهم ملآى بدباغ السّوء من حسد وغرور وكبرياء، وهم يتحركون بها للإساءة بغيرهم فإن نار جهنم لا تحطّم أجسادهم المادية فحسب بل تصل إلى مستودع الأسرار في أفئدتهم فتأتي عليه بالإحراق والتّحطيم المعنويّ؛ لأن الجزاء من جنس العمل، والفؤاد هو سيّد الجوارح.

٦٬٤٤٠ / ٦٬٧٦٧