سورة الفيل
الجزء ١ · صفحة ٢٦٥قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)، افتتحت السّورة بالأسلوب الاستفهامي التّقريريّ الموجّه لكل فرد صالح للخطاب، والمخاطب الأول به هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ويقصد بهذا الأسلوب الذي تكرر في القرآن حمل المخاطب على الإقرار بما تضمنته الجملة المستفهم عنها معنى الاستغراب والتّعجيب من تلك الكيفية التي تمّ بها إهلاك أصحاب الفيل، وقد نقل الشّيخ محمد علي الصّابوني في تفسيره لجزء "عمّ" نقل عن تفسير أبي السّعود قوله: "وتعليق الرّؤية بكيفية فعله جل وعلا بنفسه بأن يقال: ألم تر ما فعل ربّك، هو لتهويل الحادثة، والإيذان بوقوعها على كيفية هائلة وهيئة عجيبة دالة على عظم قدرته تعالى، وكمال علمه وحكمته وشرف رسوله، فإن ذلك من الإرهاصات، لما روي أن القصّة وقعت في السّنة التي ولد فيها النبيء عليه السلام".(1)
قلت: ويضاف إلى ذلك الملحظ الدّقيق اختيار صفة الرّبوبية لله تعالى لما تحمله من معنى الرّعاية والحفظ، وقد بعث النبي بعد أربعين سنة من وقوع هذه الحادثة، ولا يزال على قيد الحياة أناس من قريش وغيرهم شاهدوها وعاشوها. وقوله تعالى: (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ)، والاستفهام -أيضا- للتقرير، والتّعبير بالكيد يعكس ما دبّره أصحاب الفيل من حيل وما أعدّوه من قوة لتنفيذ خطتهم في هدم الكعبة، ولكن الله تعالى ردّ مكرهم وأفسد خطتهم، وجعل الشيء في تضليل أي في دائرة الضّياع والهلاك. ثم فصّل الله تدبيره في إفساد تلك الخطة فقال: (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا اَبَابِيلَ، تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّاكُولٍ).
(1) - صفحة: 139.