نفحات الرحمن في رياض القرآن (مبوب حسب السور) [ناقص] محمد بن إبراهيم سعيد كعباش

سورة الماعون

الجزء ١ · صفحة ٢٧٥

(أَرَآيْتَ الذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): الخطاب موجّه لكل من يصلح للرؤية العلمية أو البصرية، والاستفهام للتعجيب والتّشويق لمعرفة المكذب بالدّين، لا باعتبار المتعارف عليه ممن شاع تكذيبه إذ لا داعي للعجب من أمثاله، وبهذا الاستفهام التّشويقي يترقب السّامع ما يأتي بعده، وإذا بالجواب يقول: (فَذَالِكَ الذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، والإشارة إليه (فَذَالِكَ) للبعيد احتقارا له وزيادة الوصول لتمييزه عن غيره، والفاء على الأرجح رابطة لجواب شرط محذوف، والتّقدير: إن لم تعرفه فهو ذلك الشّخص الذي تبدر منه خسيستان قبيحتان في طبعه وسلوكه:

أ) - (يَدُعُّ الْيَتِيمَ): واليتيم هو الذي فقد أباه فهو مكسوف البال يحتاج إلى الرّحمة والحنان، والدّعّ: هو الدّفع بشدة إهانة وتحقيرا، وكان الجاهليون يعاملون اليتامى والنّساء بغلظة ويحرمونهم حقوقهم في الميراث، ويرون أن الإرث للرجل الذي يطعن بالسّنان ويضرب بالسّيف. وقد اعتنى الإسلام -كما تقدم في تفسير سورة الفجر والبلد والضّحى- اعتنى بكفالة اليتيم، واعتبر هنا أن تفويت حقوقه بل مجرّد إهانته واحتقاره هو من أمارات التّكذيب بالدّين.

ب) - (وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ): والحض على شيء هو الحث على فعله بتأكيد، و (طَعَامِ الْمِسْكِينِ): اسم مصدر مضاف إلى مفعوله للدلالة على أن إطعامه هو حقّ من حقوقه إذ المسكين هو الفقير الشّديد الفقر، وكم في القرآن من إرشادات للبرّ والإحسان بهذا النّوع من النّاس الذين يقول عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي تردّه الأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي ليس له غنى، ويستحيي، أو لا يسأل الناس إلحافا».(1)

(1) - رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: (لا يسألون الناس إلحافا)، رقم 1476.

٦٬٤٥٤ / ٦٬٧٦٧